قراءات

طرائق ودروب المشاعر في نص “صكّ عبور”

للكاتبة زهرة خصخوصي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

للمشاعر طرائق ودروب..
سلكها كل عابر شرقًا وغربًا، وفي الأزمنة المتباينة…
والمتلقى _ تلقائيًا_ حين يجابه النص الجديد يستدعى كل المخزون القديم، ويحدد موقع هذا النص على الخريطة وفق الإحداثيات الدقيقة، لتنبثق حينها علامات الاتفاق والاختلاف، والقرب والبعد، ومدى الدقة في تشكيل الجماليات ورسم العوالم المحفزة للمشاعر والباعثة على تأجيج تفاعلات الروح وموسيقاها الكامنة، وهذا أيضًا يتم فى الأدب المقارن بين الأداب مختلفة الأماكن واللغات.
ويختلف المتلقون _ تبعًا لاختلاف الثقافات ودقة اتباع المنهجية والصرامة فى ذلك _ على اكتناه العناصر والخطوط المتقابلة والموازية، وتبين زوايا الكهف المظلمة، وإيقاعات الموسيقى وترددات الصدى في كل نص أدبي في مكان ما مقابلة لنص آخر في مكان أو عصر أو لغة أخرى، للوصول للمشترك الإنساني الواحد ويمكننا مثلا، مباشرة، تلمس نقاط تماس توجبها وحدة الشعور الإنساني رغم اختلاف المسافات والأزمنة بين هذا النص، وبين نصين آخرين لكل من الشاعرين هلدرلن وريلكه.. وعلينا التأمل والتدقيق لإيجاد نقاط ارتكاز وتشابه..

(هلدرلين)

خبز وخمر – المقطوعة التاسعة
نعم! يقولون بحق، إنّه يوفّق بين النّهار والليل،
يُسَيِّـرُ نجـومَ السَّماء عالياً وسافلاً إلى الأبد،
جذلٌ دوماً كأوراق شجرة الصّنوبر دائمة الاخضرار،
التي يُحبّـها، والإكليلُ، الذي اختاره، من اللبلاب،
لأنّـه يدوم ويجلب أثرَ الآلهة الهاربيـن
إلى الجاحديـن إلى أسفلَ تحت الظّلام.
وما تنبّـأتْ أغاني القدماء لأطفال الإلـه،
انظرْ! نحن هـو، نحـنُ؛ إنّـه فاكـهة هيسبيريـا*
مدهشٌ وبدقّـة تحقّـق تماماً كما للبشر.
اعتقـدَ به مَـنْ اختبـرَه! ولكنْ كثـيرٌ يحدث،
لا شيءَ يفعل فعلَه، لأنّـنا ظِلالٌ، لا قلـوبَ لنـا، إلى أنْ
يجعلـَنا أبونـا الأثـيرُ معروفين ويخصَّـنا كلَّـنا.
ولكنْ في غضون ذلك، يأتي كفتيلة قنديل ابن الذات الأعلى،
السّـوريّ إلى أسفلَ بين الظِّلال.
سعيداً يراه الحكماءُ؛ تشعّ بسمة في الروح السّجينة،
ولكنَّ عينَـها لا تزال تذوب من الضّياء.
تحلم برقّـة أكثـرَ وتنام بين أذرع أرض الجبابرة،
حتّى ذلك الحاسد ُ، سَـربَـرَسْ ** ذاتُـه ، يشربُ وينـامُ .

(ترجمة: بهجت عباس)
……………………………

راينر ماريا ريلكه
بساتين
كم من مسارة غريبة
همسنا بها للأزهار
حتى يقول لنا هذا الميزان
المرهف وزن حماستنا
النجوم كلها آسفة
لأننا نجمعها بأحزاننا
ومن أقواها حتى الأوهن
ولا واحدة عادت لتحتمل
مزاجنا النزق،
تمردنا، صرخاتنا
إلا المائدة التي لا تكل
والسرير (المائدة المتلاشية).

** ** **
لا أحد يدرك كم يحكمنا
ما يرفض اللامرئي أن يهبناه
عندما للخديعة غير المرئية
تستسلم من دون أن ترى، حياتنا
ببطء، وعلى هوى التجاذبات
يتنقل مركزنا من أجل
أن يكون القلب بدوره هناك
هو سيد الغيابات الأعظم أخيرا.

** ** **
كم يلذ أحيانا أن أشاطرك الرأي،
يا شقيقى البكر، يا جسدي
كم يلذ أن أكون قويا
بقوتك
أن أحس بك ورقة، لحاء، غصنا
وكل ما تقدر أن تكون أيضا
أنت البالغ القرب من الروح
أنت يا بالغ الصراحة يامن تتجمع
في جلي فرحك
في أن تكون شجرة الحركات هذه
التي تبطيء لهنيهة
سير السماوات
لتموقع فيه حياتها
____________
* مُقتطفات
(ترجمة كاظم جهاد)

(1)
هلدرلن وريلكه

تأثر هلدرلن _ ومن بعده ريلكه_بالروح الفلسفية التى ميزت عصرهما بل لقد عاصرا الفلاسفة الكبار، فهلدرلن عاصر ( هيجل، و شلينج، وفشته)، وريلكه عاصر الفيلسوف (نيتشه)، وقرأ للفيلسوف الوجودي المؤمن (كيركجارد)، فخرجت أشعاره عاكسة لتلك المشكلة الفلسفية التي شغلت الفكر الوجودي وهي المكان الذى يشغله الإنسان بين الماهيات والوجود، وعلاقاته بهما، وأن كان هلدرلن _ الذى جعله الابتعاد عن أرض الوطن يخرج أشعارًا تمثل الاغتراب والحنين الذى يشوبه الحزن، فهذا لا يعني في نهاية الأمر أن الإحساس العميق لكلا الشاعرين لا يلتقى أخيرًا عند نقطة واحدة، وهي مكان الإنسان في
الحياة والوجود، والقلق النابع من الرحيل والسفر المتواصل.. سواء في اتجاه بلاد أخرى.. أو في اتجاه الموت غير أن ريلكه قد عبر عن هذا المدلول بطريقة ربط ربما كانت أكثر مواجهة وتجريدًا، وأكثر تعميمًا وإبرازًا للروح الفلسفية فى نفس الوقت من هلدرلن، حتى أن الفيلسوف الألمانى ” مارتن هيدجر ” _ أبو الفلسفة الوجودية _ قال أنه لم يضف في فلسفته عمقًا إلى ما عبر عنه ريلكه بصورة شعرية إن ريلكه _ وهو شاعر رومانسي _ يرى أن الأمل الأخير _ هربًا من ذلك القلق الذى يعتمل فى الروح الإنسانية _ يوجد في الطبيعة .. يقول:
أننا لسنا بأمان فى هذا العالم الواضح لنا
ربما بقيت لنا شجرة ما على المرتفع
شجرة نراها يوميًا
ولنا تبقى نزهة الأمس،
وعادة مدللة.. عادة أحبتنا، وظلت عندنا ولم ترتحل.

ومن قبله أحس هلدرلن أيضًا بهذا الشعور الغريب الذي ينبع من معاناة التشتت، والذي نهايته الرغبة العارمة فى العودة إلى أصل الاشياء.. ربما الوطن أو الطبيعة والذات نفسها، أو الكلمة الشعرية، فالعزاء أخيرًا يكمن فى الفن والشعر، وقد يكون الارتباط الذة لا ينفصم بالأرض هو صورة خارجية وقوية لهذه المشاعر كما عبر عنها هلدرلن.. يقول:
فمثلما النبتة التي، إذا لم تتجذر فى أرضها
تضمحل، هكذا نفس البشرى
الذى هو، مع ضوء النهار وحده، مسكين
يسوح على أرض مقدسة.

(من مقال لي عن الشاعرين/ الكويت 1975)

(2)
وهذه المعاني _ معاني التلهف على الأمن الداخلي العميق _ الذي يهبه البيت والوطن تناولها هلدرلن في أغلب شعره.
ونفس الصورة السابقة عبر عنها ريلكه، بطريقة أكثر تجريدًا، مصورًا السعي المستعر للإنسانـ، حين قال فى ” مرثيته الثامنة “:

ونحن.. أبدًا متفرجون ,
كل مكان، نتطلع إلى كل شيء ولا نتخطاه
أنه يملؤنا.. ننظمه و ينهار..
ننظمه من جديد.. وننهار بأنفسنا.

وتبدو فى هذه الصورة، كما يُلاجظ، إرهاصة وجودية واضحة، غير أن ريلكه لا يخاف من الموت، بل يرى أن مواجهته هي في المواصلة الدؤوبة، وتجسيد الصورة القوية للإنسان كما نادى بها ” نيتشه ” فى مبدأه ( إرادة القوة )
يقول:

أبدًا
من جديد عاود الغناء الذى لن يتحقق
واذكر: البطل يستمر، حتى انهياره..
لا يكون سوى حجة لبقائه
أن انهياره ولادته الأخيرة.

ونفس المعنى أيضًا قاله فى قصيدة أخرى:

أعيش حياتي فى حلقات متنامية
تتخطى الأشياء،
وربما لن أنجز الحلقة الأخيرة
غير أن سأحاول.

إن التجربة الشعرية تحاول أن تخلق رؤية، أو كشفًا جديدًا للإنسان، يستشفه الشاعر من سفره المتواصل فى ضبابات المشاعر والأحاسيس والأفكار للبحث عن الحقيقة، ويصبح بهذا جسرًا ومعبرًا بين الوجود والإنسان.

قال هيدجر فى ريلكه:
“عندما يكون الشاعر شاعرًا زمن الأزمة، فإن شعره يجيب فقط على السؤال التالي:
لماذا هو شاعر.. وإلى أين غناؤه المستمر أبدًا.. وإلى أين يتجه فى ليل العالم ؟؟ “
ولعل ما قاله هيدجر فى ريلكه، ينطبق أيضًا على هلدرلن، وعلى كل شاعر
استطاع أن يتخطى بفنه حدود أمته وعصره.

السابق
صكّ عبور
التالي
اعتراف

اترك تعليقاً

*