القصة القصيرة

طريدة الأوهام..

تمشي على بساط الخوف والجوع، حافية القدمين، عارية الرأس، بضفيرتين طويلتين ، تحملان شيب الكبار ، تنتقل من شارع إلى آخر ، تمد يدها لتقاوم الجوع الذي يلاحقها في كل مكان .

نظراتهم مرعبة ، تحمل في إشاراتها الريبة وسوء الفهم، كان لجمالها الذي يكسوه الغبار والنصب حجة لذئاب المدينة ،لكل طريقته في الصيد..!

يقول أحدهم – وقد أوتي علما – : رغبوها في الزواج قبل أن تقع في الخطيئة حتى لا يزداد عدد مشردينا.

يقول أوفرهم رأيا: دعوها وشأنها، فإنها في طريقها للجنون..أما رأيتم وجهها الذي يساق نحو السواد..؟!

عندما تغيب عن أنظارهم لقضاء حاجة يلاحقونها ظانين أن معها رفيقا..!

تقضي يومها بينهم كأنها تمشي على جمر و تلفحها النار من كل جانب .
– ما أقسى العيش عليك في هذه المدينة أيتها الطريدة المجهولة..!
هكذا يتمتم الاسكافي المرابط قرب العمود الكهربائي في الشارع الكبير ..

تصبر على وخز كلامهم المؤلم ، كصبره وهو يعالج أحذيتهم المتْعَبَة ، تطلق دمعتها- أحيانا – لتكسر كبرياء ها وتطرد ألما بين ضلوعها ..!

ولكن ماذا تقول لهم – الآن- وقد انتفخ بطنها ، وتثاقل جسمها ، ماذا يكون مبررها أمام شكوكهم الخبيثة وظنونهم السيئة ؟!..هل عليها أن تخفي نفسها عن الأسئلة المتكررة من هؤلاء ؟!
-ليتني متّ قبل هذا ؟
-ليتني اخترت مدينة غير هذه ؟!

رُمِيَتْ كل التهم على الخباز الذي كانت تمكث عنده طويلا وهي تجمع قطع الخبز المحترقة..!

أصبحت حديث الكل ، في المدارس ، وفي الأسواق ، والمقاهي ..كضجيج يومي..!

وتوالت النصائح على الخبّاز حتى يتزوجها ، ويدفن عاره وعارها في مقبرة النسيان كقرية دفنت تحت رمال قرون خلت..!

وأقسم بالله أنه لم يمسها ، وأنه من الذين يخافون الله ، وأنه حج إلى بيت الله الحرام ثلاث مرات راكبا ومترجلا ، وأنه يصلي الصلاة في وقتها، وأنه كان لها من الناصحين..!

في لحظة الغفلة ..
سقطت هي على الأرض منهكة من أثر ما لقيت من طعنات الألسن ، نقلت إلى المستشفى ، لتدخل في غيبوبة تريحها من كلماتهم الجارحة..وقد وضعت بنتا جميلة جدا ذات عينين زرقوين .
الممرض – وقد كان لطيفا جدا -:
– ماذنبك أيتها الوافدة الجديدة ؟!..كيف تتحملين خطيئة غيرك..!

يدخل الطبيب عليها في كل مرة يتفقد حالتها ، وقد طالت غيبوبتها ..

هل شعرت بلذة الغياب الروحي ، وهي بعيدة عن طين عفن يسخر من عفن طين آخر؟!

في لحظة الحيرة ..
يدخل رجل (معاق)، أزرق العينين زاحفا..
– أين زوجتي ، أين هي ، ..؟؟!

بقي عند رأسها حتى أفاقت ، قبّل جبهتها وترجاها أن تسامحه لأنه تأخر في المجيء إليها وتفقد حالتها .

سمَّيا ابنتهما ..”رحمة “..

في لحظة الانقشاع..
تذكر الإمام أنه رآها ذات مساء على أطراف المدينة وهو عائد من جنازة لشخصية كبيرة دفنت على عجل..!
وتذكر سائق شاحنة القمامة أنه رآها ذات صباح باكر متجهة نحو ها، تسلك طريقا صعبا لا تمر معه السيارات..!

تعرف الجميع على زوجها (المعاق )، وعلموا معلَمَ الطريق إلى مسكنها البعيد..

بختي ضيف الله

شاعر وقاص جزائري، ..

السابق
صلة رحم
التالي
فضفضةٌ

تعليقان

أضف تعليقا ←

  1. زينة رميلي قال:

    رااااااائعة جدا …..سلمت اناملك.

    1. أشكرك ، هذا من أدبك ..وحسن تقديرك ..
      ..أستاذتي الفاضلة ، زينة رميلي..

اترك تعليقاً

*