القصة القصيرة

طنين

لم يكن يلتفت إليها ، و ما كان يخطر بخلده أنه سيأبه لها يوما ما ، لكن الأحداث تجري في االحياة كثيرا بما لا نشتهي نحن .ها هي ذي تقبل عليه في تلهف ، تدور حوله في إصرار عنيف ..تسلب منه شيئا هينا جدا ،و تصعد في السمـاء و تدور ، ثم تهبط عليه بسرعة ، يحاول تجنبها ، يبتعد قليلا لكنها تعاود الكرة .. إنها لا تقبل دائما ، إنها تختار ساعة يكون مستغرقا يستبطن ذاته ،أو يغور في كتاب من قساوة واقع ، أو بحثا على حقيقة كأنها تترقبه ،كأنها تريد أن توقفه عن القراءة التي تزيد في قلقه الوجودي ..لعلها تريد طرد همه فلم لا يستسلم لها ؟ و يرمي من يده هذا الكتاب الذي يزيد معاناته غير المنتهية ..لعلها ترأف به فتشوش عليه قراءته ..لعلها تتعشقه ،فتريد أن يكون لها ملكا ..عجيب أمرها و محير،إنها لا تقبل في كل الأوقات ،إنها تختار وقتها بدقة متناهية ، في ساعة وردية ترقص فيها الأحلام وينداح فيها الأمل ، في لحظة حضور كأنها الفناء ، تطلع هي كالشجرة التي تخفي وراءها غابة ،كأنها تحس بضجيج النور في أعماقه، كأنها تستجلي باطنه فيشف لها ..
يعجز تماما ، لم يعد يستطيع مواجهتها ، جُرمها صغير بالنسبة إليه ، ينسحق إن رده بعنف .. أهي في أجزاء هذا الكون ضرورة أم لحكمة ما ؟ كل الاحتمالات ممكنة ..
هاهي ذي تدور مصوّتة مرة أخرى ، إنها تقترب ، يحاول إبعادها بلطف ، تأتي و تدور حوله ، تكدر عليه صفوه ، صوتها ينذر بشيء لا يرغب فيه بل لا يحبه ، ينكسر أمامها مرة أخرى ،و يخطر في ذهنه أن سلامة العقل و القلب من أعظم نعم الله على بني الإنسان .. حتى في فصل الشتاء حين يغلق الأبواب و النوافذ ، لا يدري كيف تتسرب إليه .فإذا هي أمامه !
تحاول مرة أخرى الإقبال عليه كالمجنونة ، تحاول الالتصاق به ، و يضجر متقلقلا في موضعه ، و يكاد يولول مع كل أنفاسه ، ليس من مس الشيطان ، و لكن من مسها هي .. ما الذّي تبتغيه من هذا الإقبال السرمدي؟ربما يكون في طبيعتها ، انجذاب فطري نحوي ، ربما تكون هناك مشكلة خفية بيننا ، ربما يكون في دمي شيء مغناطيسي يجذبها أبدا ، و أنا لا أعلم ..فليست كل الأشياء تفهم و تفسر ، يرفع يده عاليا ، هي تبتعد قليلا ،يغضب ،يحمر وجهه و يغلظ جلده فلا يلين ،يتمنى لو يحيلها عصيدة تحت كفه .
“لقد فرغت لي و لم أفرغ لك .. آه يا معذبتي !.. آه يا من طنينك في فضائي !.. آه يا ذبابتي ! لقد: ” ضعف الطالب و المطلوب “.

السابق
مشاغبة
التالي
قراءة نقدية في نص “طنين”

اترك تعليقاً

*