القصة القصيرة

عابرة .. عابرة!

..عموماً، هناك الكثير من الأمور في هذا العالم تحصل للأطفال، وليس بإمكان أمهاتهم غير تخفيفها والحكم عليها :
– “لا شيء يا بنيَّتي لا شيء ..!”
هكذا خرجتُ من الفصل، ركبتُ العربةَ، وقلتُ للسَّائق الأسود (عمّ عياض): “اِنطلق..”. وبترفٍ لففتُ نفسي في مئزر دافئ، وجدتُني مسرورة ََفي حالِِ لا تجدُ البنتُ أفضل منها عندما تكون مع ذاتها.. حين تراودها اللُّعب الجميلة، والدُّمى، والأخيلة العميقة.. لعب “التابليت” تقرِّب منها ما تحب، وتدع عنها ما لا تودُّ.. مشغولة ولكن بداخلي سعادة تسعُ حياةً.
أتذكَّر كل أوقات مرحي مساء الآحاد مع الخلاَّن، وأذكر تلك النَّوادر مع أبناء الجيران والأصدقاء، أكرِّرُ بعض الأغاني بصوتٍ خفيض.. ها إني أرددها الآن .. مازالت مضحكة حتى وقتنا، لذلك لا غرابة أن أُكرر الضَّحك من القلب مرات أخرى.. وأحزن مراتِِ ومراتِِ..
بينما كانت هَبّات الرِّيح الشمالية تشوِّش عليَّ أفكاري في بعض الأحيان، وأحياناً كانت تصفع وجهي ناثرات الثلج الباردة، وتملأ أثوابي حتى يبدو كالشِّراع في مهبِّ الرِّياح، أو تمر فوق رأسي صافعة قاسية قويَّةََ، كانت العربة تتمايل تتهادى، تهدهد الأوصال.. تريح الأعصاب ..ويأتي الدُّوار والنُّعاس..
فجأة، وفي منعطف قصيِّ، شعرتُ بأن هناك من يجرُّني من معطفي، التفت فرأيتُه رجلاً : قامته طويلة.. في ملابسه الفضفاضة، لاحقْتُه حقيقةََ: برعبي فحسب ..كان في قامة “عمِّي عياض”، متورِّد وجهه أبيض كالثَّلج، وكان يتطلع إليَّ مثل جُثَّة نازلة من عمق السَّماء، لكن هلعي بلغ أشدَّه عندما رأيتُ الرَّجل الميِّت وقد فتح فمه لتخرج منه رائحة القبر الرَّهيبة …
– “آه، أنتِ هنا بين أحضاني .. هنا بين أذرعي عميقا نامي وأخيراً ! وصلت لك، من تبن العربة! أنا بحاجة إليك..”
وانهمك يقرصني من صدري ويهمهم ..كأنه يقضم تفَّاحتين:
– “لا تقولي لأحد.. وهاتي محفظتك،”
لم أفعل شيئا لأفكَّ أسري أو أستردَّ محفظتي، فقط قمت بتوبيخي: “الآن خذي حذاءك”… بهتت حدَّ الموت، على الرغم من أنني كنتُ شجاعةََ مع أترابي، وبحضور من هم أكبر مني عمرا، ومتميزةََ بكامل صفات الرجولة في الشَّكل والمظهر. أما وفي تلك اللَّحظة، أصبحتُ أقطر جُبْنا.. : “اللَّاتي في مواجهة الرُّعب يرتابهنَّ الخوف، ويعانين الفشل…” حدثتني الأسطورة الكامنة…
لبستُ سروالي.. قفلتُ أزرار سترتي على عجل، مسحت بكمي على فمي الندي بردا وريقا، ثم قذفتُ محفظتي من على كاهلي… طمرتُ نفسي في جُبني..بل وفي خلال أقل من تسع دقائق كنتُ أمام مدخل بيتي خائفةََ، وبلا محفظة… دلفْتُ إلى عمق البيت، توجهت إلى غرفتي، ودخلتُ بيت الاستحمام … كانت ليلتي كئيبة ومرعبة، في صباح اليوم التالي وعلى مائدة الفطور قالت لي أمي:
– “أنت شاحبة اليوم، بنيَّتي!!”،
أطرقتُ أفكِّرُ، أخالها ستسألني عن المحفظة ولمَّا أذكر شيئا مما حدث، وأين كنتُ، وماذا كانت نية ناهشي..
ما حدث خلَّف أثراً عميقاً في نفسي، وبدأت أُقلل من مقولاتي الشَّهيرة لأمي:
– “كيف تجرئين؟ ألا تدركين من الذي يقف أمامك؟ أنا رجل..”
لكنَّني حين أتحدث، أصبحتُ أكثر رغبة في معرفة تفاصيل الموضوع وما حصل لجسدي ..
و الأهم أن شبح سارق المحافظ لم يعد للظُّهور، يبدو أنَّ المحفظة قد ناسبت كتفيْ ابنته، وفي جميع الأحوال ما عاد يُسمَع عن حوادث خطف المحافظ او المؤخرات…
أصرَّ بعض أصدقائي هزءًا حين حدَّثتهم عن أن السَّارق الميِّت مازال يظهر بهيْئَته في أماكن مختلفة من القرية… ثم ما لبثت أن جاءت الأخبار تُصدِّقني، بأن بائسًا شاهد بعينيه شبحاً محدودبا قادماً من خلف أحد المنازل، لكن هذا البائس لم يقبض على الشَّبح، بدلاً من ذلك تبعه إلى ممشى القبو المؤدي للجسر، كان يمضي ويدور.. توقف فجأة ثم التفت إليه وشتمه:
– “هل ما زلتَ تترصَّدني ؟؟ .. ألا تخاف الأشباح ؟؟.. ارحلْ…” وهزَّ من أمامه حجرا ضخما، أضخم من أي قبضة بشر حيِّ، أو يمكن أن يتحمَّلها كائن حيِّ…
– “لاااا….” أجابه البائس وقد أطلق ساقيه عائداً…وتركه يعبر الجسر..
ها أنا ذا.. المحدودب.. الشَّبح.. دائما باتجاه الجسر أنتظر القمر يلفُّه الظَّلام !

السابق
أوراق منسية
التالي
عود القرفة

اترك تعليقاً

*