القصة القصيرة

عازف الناي

حاول بكل ما يملك من جهد, ومال أن يخرجها مما هي فيه. أن يعيد لها ضحكتها وابتسامتها.
ـ وجهها المشرق سكنته الظلمة.
قال لخدمه من يبشرني بعودة ضحكتها يطلب ما يريد, أصبح خدمها كخلية نحل حولها, الكل يريد إضحاكها, لكي يفوز بالجائزة, يراقبون وجهها, فلا يعود عليهم إلا بالخسران.
وجه كئيب, يلفه الحزن, يسكنه الألم.
ــ في ليلة من ليالي الخريف. حيث تتنكر الأوراق لذاتها وتتنصل من أصلها كعربي هاجر عن وطنه يشتري الغربة بالحنين للوطن (الأصيل منهم ) إذ بطرق قوي على باب غرفة نوم والد الفتاة, عرف إن من يطرق الباب هي مربية ابنته, نهض من فراشه وآذن لها بالدخول, فهي الوحيدة المسموح لها تتخطى غرفة نومه, يعتبرها بمثابة والدة الجميع.
ما إن دخلت عليه, عرف سبب زيارتها له بهذا الوقت. فقد ارتسمت التباشير والفرح, على محياها, وتلك الابتسامة التي أظهرت كم سن باقي في فمها …
ـ هل عاد الفرح والسرور لثغر ثريا.
ـ نعم إنها تبتسم ,بل وتضحك.
وهي تضع يدها المرتعشة,على فمها المرتعد, ودموعها تتحرج على خدها المتجعد, ويدها الأخرى,تستند على الكرسي.
كانت فرحته تفوق الخيال. لا يدري ما يقول, أو يفعل,اخذ يلف حول نفسه, يتجه للباب, ثم للسرير. لكنه ما لبث أن انطلق يمشي على الأرض بخطى خفيفة سريعة حتى إذا وقف بالباب, شاهدها تضحك, فرت من عينيه دمعة على استحياء, وضع يده على عينيه, ينظر لذلك الوجه الذي بدأت, شمسه بالشروق, لم تلحظ والدها وهوا يقف بالباب, لكن ما هي إلا لحظات حتى خبت تلك الابتسامة وذلك الشروق, وكأن غيمة, حجبت شروق الشمس, في يوم ماطر.عادة لحزنها لكنه اخف حده,
ـ تقدم إليها. أراد أن يحضنها, يضمها, يقبل جبينها. لكن مربيتها أشارة إليه لا يفعل الآن, ترجع للخلف, ودموعه تتساقط رغم كبريائه. هاهي زهرة الحياة, تبتسم وتعود تلك الابتسامة التي فارقت محياها. منذ ماتت والدتها من أعوام خلت.
تباشر الخدم. السيدة الصغيرة, الملاك, عادة لها ابتسامتها,كل من في القصر أخذا يضحك, ويتكلم.
ـ عم الفرح والسرور, فهي محبوبة الجميعو ملاك على الأرض يتهادى.
ـ مضى ذلك اليوم وهم يعيشون في غبطه وسرور, أكلت وشربت.
ـ عاد الليل بوشاحه الأسود ينشره على الحياة, ليخلد كل متعب من مشاغل الدنيا.
ـ لكن هناك قلوب, الليل حياتها, وسلوها, توأم روحها.
ـ في منتصف الليل تفتح نافذة غرفتها, تنتظر بكل شوق وحرقة ذلك الصوت الشجي العذب, الذي أنتزعها, من أنياب الموت, ليقذف بها للحياة, إذا بصوت ناي يتسلل لروحها, قبل سمعها, يأخذها عن عالم المحسوس, لعالم تطوف به أرواح العاشقين, فتشرق روحها, وتطيب نفسها, تعود الحياة إليها رويداً.. رويداً, كأنه ينفخ فيها الروح. كل ليلة تمضي, تصبح بيومها أكثر إشراقا, وحيوية, تعلق قلبها بعازف الناي ,وهي لم تعرفه من غير تلك الإلحان,وكأنها عزفت لها وحدها. لاحظ والدها, ومربيتها, وكل من حولها تأثير الناي عليها. بحث والدها عن عازف الناي, لكنه لم يهتدي إليه.
ـ على عادتها وهي تستمع إليه بروحها, وإحساسها, انقبض قلبها, عندما سمعت تلك النغمة, صوت الناي يخفوا, شيئا .. فشيئا. ارتعدت مفاصلها, أجلسها والدها على الكرسي, وهو لا يعرف سبب نكوصها.
ـ سكت صوت الناي, شهقت ووقعت مغشياً عليها, حملها والدها ووضعها على سريرها, والمربية بجانبها تغمض عين

يها.
في هذه الإثناء, كانت هناك امرأة, خالط الشعر الأبيض, شعرها الأسود, بل وانتصر,عليه بمساحات كبيره, تضع في حجرها, رأس بنها الشاب, وهي تغمض عينيه, ودموعها تتساقط على خدها, وتمنعه من أن يسقط على خد ابنها, والناي يتدحرج, من بين أنامله.
أعجبني

السابق
تفاحة…
التالي
مَشَانِقُ الأَوْتَارِ

اترك تعليقاً

*