القصة القصيرة

عالم آخر

منذ جاء الي المدينة البعيدة .. ينشد العلم في الجامعة .. فتنسيقه لم يسمح له بغيرها .. بحث عن سكن .. سمسار المدينة جاء به الي هنا .. حيث غرفة نومها .. تطل علي غرفة نومه .. اكتشف ذلك بعد فترة من الزمن .. فهو قروي المنشأ .. ولا يتدخل فيما لا يعنيه .. ولا يشغل نفسه الا بما جاء من اجله .. العلم .. ثم الشهادة وفقط .. انهمك في دروسه .. وذهابه وايابه من والي الجامعة .. حتي اصدقائه الذين كانوا معه .. انقطع عنهم .. فطموحاته جُلَ طموحاته.. ان يكون معيدا.. ثم دكتور في الجامعة.. بعض أصدقائه حذروه من السكن .. الذي يسكن فيه .. ولما استوضح منهم الامر قالوا له .. ان في البيت المقابل تسكن جنية .. شيطانة , وعفيه .. لكنها جميلة .. ثم تركوه , وانصرفوا .. هو لم يهتم بالأمر كثيرا .. ظن انهم يهزرون , ويهزئون , ويضحكون معه .. وربما يريدون منه ترك السكن .. والامتحانات علي الابواب .. حقدا منهم وحسداً لتفوقه في الدراسة عليهم ..هو حسبها هكذا في نفسه.. ثم استدرك الأمر سريعاً .. وأحس ان في الأمر شيء ما .. ربما يريدون ان ينبهوه إليه .. لم يدري ما هو.. ولما تعب من تحليل كلامهم .. ووضع افتراضات , ونتائج له .. حب الفضول دفعه .. ان يستكشف الأمر بنفسه .. فهو لا يخاف من العفاريت ..
” تذكر يوم كان صغيرا .. كان يذهب بمفرده .. الي المشرحة خلف المشفى الحكومي .. في لها ليب عز الظهر.. وفي الليل ايضا .. يجمع زجاجات الحقن الفارغة .. وبعض اربطة الشاش .. وعلب السجائر الفارغة .. وغيطان الكوكاكولا.. من اجل ان يلعب بها مع اصدقائه .. فلم يري العفاريت .. ”
فكر ان يفتح الشرفة.. التي تطل علي الشارع .. الذي لا يعرف احدا فيه .. فهو غريب في المدينة .. وجاء من اجل تحصيل العلم .. حتى اصحابه كثيرا .. ما كانوا يريدون ان يخرج معهم .. ويترك غرفته هذه .. ليتمشى معهم في شوارع المدينة .. ويتعرف علي معالمها.. فكان يرفض ذلك ..
تذكر وصية أمه .. عند سفره .. وهي تحزم له اغراضه .. وتستف له ملابسه في شنطة سفره .. وعلي وجهها علت مسحة فرح .. ممزوجة بزعل علي بعاده .. فهو ابنها الوحيد .. الذي طلعت بيه من الدنيا .. هكذا كانت تذكره .. وتقول له دائماً …
” خالي بالك يا بني من نفسك .. واوعي تروح كده ولا كده .. الولاد الوحشين بيفسدوا بعضيهم .. والبنات ابعد عنهم .. قطعت سرتهم .. ده مورهمش غير التعب .. ووجع القلب .. اتبي لمذاكرتك ودروسك .. وبص علي حال ابوك وامك .. واديك شايف الحال قدامك .. وتروح وتجي بالسلامة .. وربنا يحفظك يا ابني ”
وتذكر ايضاً انه لم يفتح الشرفة .. منذ جاء الي هذه الغرفة .. فهو تعمد ان لا يفتحها .. حتي لا يزعجه الضجيج القادم منها ..
كان الوقت بعد العصاري.. وقف في البلكونة .. فرأها .. فتاة في سن الزهور .. جميلة جدا جدا .. لا يستطيع احدا ان يراها ويحول عينيه عنها .. لشده جمالها وانوثتها الطاغية .. هذه هي اذا الشيطانة التي كلموه عنها .. وحذره منها الاصدقاء .. نظر اليها فابتسمت .. ودحرجتْ المساء تجاهه .. لم يرد عليها .. هو سمعها جيدا .. ولكنه لم يرد .. اراد ان يرد .. ولكنه خاف ان يرد .. انتزع نفسه بسرعة منها .. وعاد الي غرفته .. اغلق الشرفة بنفس السرعة .. فسمع ضحكاتها وهي ترن في اذنه .. مثل السحر .. او موسيقي حالمة .. استعاذ بالله من الشيطان الرجيم , ومنها .. جاءوه اصحابه في الغرفة .. وهم يضحكون عليه .. هكذا تخيلهم جالسين وملتفين حوله .. وهم يصفقون ويضحكون .. وضحكاتها مازالت ترن في محيط اذ نيه مثل الطبل .. سد اذنيه بأصابعه .. ثم بيده .. وضع كل الوسائد علي راسه .. حتي تختفي ضحكاتها .. وضحكاتهم .. لم يفلح ان يبعد الصوت عن اذنيه .. ولا صورتها ايضاً من امام عينيه .. برغم انه اغلق الشرفة .. اطفأ المصباح .. اغمض عينيه .. ووضع الوسادة علي راسه .. لم يفلح في ذلك .. ماذا يصنع .. فصورتها قد طبعت في عينيه .. وتكاثرت في راسه .. وتناسخت حتي صارت ملايين النسخ .. بعدد خلايا جسده .. وكروم زناته .. أو كالفيرس اللعين الذي يضرب جهاز الكمبيوتر فيعطبه ويوقفه عن العمل .. هكذا كانت هي تعمل فيه .. غزت كل كرات دمه .. وكل خلايا جسده .. منذ ان راها .. ماذا يصنع حتى يتخلص منها .. تعود في كل يوم .. أن يراها .. تقف أمامه.. صامتة .. وقد تخففت من ثيابها .. مفرودة الشعر .. تطل من البلكونة.. المقابلة لغرفة نومه.. تفرك يدها البض.. في نهدها النافر.. تتلفت في توتر .. وقلق .. وعيناها تدور.. في محاجرها .. هنا وهناك خشيت ان يكون احداً غيره يراها .. تنفخ في الهواء .. يشعر بقلبه يرتجف .. يعلو ويهبط في صدره .. وحين تتأكد أن ..أحداً لن يراها غيره .. تلج إلى الغرفة .. ببطء .. وتوده .. تتميس في مشيتها .. تتبختر .. تترنح علي طريقة “ستريب تيز .. strip ..tease” تجلس على السرير الخشبي.. تضحك بصوت منخفض .. وهي ترمقه بنظرتها الواعدة.. يتظاهر بأنه لا يراها .. تفتعل صوتا تكح , تسعل .. ينظر اليها .. يمتقع لونه.. ويشرد الدم من عروقه .. تعتدل من جلستها.. يبهت .. تبتسم .. ابتسامة .. بلهاء .. فيطير عقله من رأسه.. ويفر تُحَلِّل شعرها بأصابعها الطويلة.. تطوح به في كل اتجاه .. ترميه بنظرة أَحَدُّ من الخنجر.. يهرب الدم من عروقه .. وينشف من جديد تغيب في زفرة طويلة .. متقطعة .. تتأوه .. ينتفض كالعصفور المبلول .. ينهمر عليه المطر فجأة .. فيفقده القدرة علي الطيران .. برهة من الصمت القاتل.. تلم أعضاءها المبعثرة أمامه.. تقف أمام المرآة .. الضخمة .. تترنح .. تتمايل .. تدعك يديها في صدرها.. برفق.. وكأنها تريد ان توقظه .. وتوقظ الحواس الخمس .. تشهق .. تزفر .. تتأوه .. تترنح كغزالة شاردة .. تمرر يديها بين طرقات جسدها العاجي .. تقف عند منحنيات الجسد الثائر .. تمشط شعرها من جديد .. ترميه للورا بيدها الحاسرة .. تنظر إليه .. وهي تمسك بفستان نومها الأسود .. تدندن بصوت رخيم ..
ــ ” يتشُف لك حل في حكايتنا .. يا تعزل وتسيب حتتنا ”
وتمضي ساعة.. أو تزيد.. وكلاهما ينظر للآخر في صمتٍ .. وتوترٍ .. وترقبٍ .. وقلقٍ .. وذهولٍ .. وكأنه انتقل إلى عالم آخر……. .

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
قراءة نقدية في نص “الرّفيق ديونيسوس”
التالي
جثةُُ وامرأتان

اترك تعليقاً

*