القصة القصيرة جدا

عبر الإنترنيت

اختفى أيامًا ثم ظهر مع هلال غرة الشهر، جاري الطيب أبيض الثوب والوجه، أحد القلائل المتشبثين بأصولهم الريفية، لم تصهره بوتقة العاصمة، حتى لهجته التي نزح بها من أربعين عامًا لم يمسسها سوء، لقيته متجهمًا على غير العادة، يضرب أخماسًا في أسداس، تلطفت به، ورجوت أن يرمي عن كاهله بعض ما يحمل من هموم، شخص ببصره بعيدًا، كأنه ينظر في مكان الأحداث، وروى لي كيف كان البذخ والسرف على أشده في حفل خطبة ابن أخيه، كان اللحم مكدسًا في “الصواني”، على المأدبة الممتدة بطول القاعة وعرضها، والناس يردون إليها خماصًا ويصدرون عنها بطانًا، وما نهسوا من “العجول والخراف” إلا قليلًا! ولم تكد صحاف الأرز والطبيخ العديدة تُمس، أطباق الفاكهة والعصائر والمشروبات المتنوعة تدور مرات ومرات، الأنوار تتلألأ من مشارف البلدة عند محطة القطار الرئيسة حتى دار العُرس، الولائم والضيافة ثلاثة أيام متتاليات، يتمايلون على أنغام أشهر الفرق الشعبية ويتبارون في إشهار النقطة للعروسين، الغناء لا يتوقف من مغرب الشمس حتى طلوع الفجر، جلسات الكيف والمزاج تحت سمع الجميع وبصرهم، العروس تُباهي أترابها بالذهب والحرير، ومنهن من تقرصها لتلحق بها، ضحكاتهن تتصاعد فتمتد عبر قاعة الحريم، لتصل إلى مسامع الرجال، فيخف أحد أقارب العروس، ليدق الباب عليهن في استنكار، فيتداركن الأمر سريعًا، وتعود الأصوات همسًا. الزغاريد تنطلق من حين لآخر، معلنة بالفرحة الممتدة إلى عنان السماء، تجاوبها طلقات البنادق المضيئة، وصياح الصغار مع كل طلقة، وتتبعهم للأضواء المنتشرة حتى تخفت رويدًا رويدًا،
ألمح بأسى إلى أنه لم يتمكن من إيقاف سيل العادات والتقاليد الكاسح، حتى وهو الكبير بعد وفاة أخيه والد العريس، وذكر أن ما يحز في نفسه أن العريس كان غائبًا في باريس، وأنه تعرف إلى البنت عبر الإنترنيت، وأصر على أن يخطبوها له.
قلت:
– إن كثيرًا من الشباب بالخارج يفعلون ذلك، فما يرونه من انفلات خلقي في الغربة، يزيدهم إصرارًا على انتقاء زوجاتهم، من أسر محافظة معروفة ومن بلادهم.
هز رأسه وأردف بصوت أسيف:
– لكنه لا يحمل إقامة، وسيكرر مأساة أخيه الأكبر!
– كيف؟
– هو الآخر يعمل من قبله في فرنسا، وخطب فتاة من بلدته، وأهداها وأهلها مثاقيل الذهب، وأفخم الفساتين وأغلى العطور، وساق إليها أحدث الأجهزة وأغلى المفروشات، وأنفق مئات الألوف على مدى سنوات ثلاث، ثم فسخ الخطبة فجأة، بدعوى أنه لن يعود إلى هنا، ولن تتمكن من الإقامة معه هناك!

السابق
الإطار
التالي
شروق الشمس

اترك تعليقاً

*