القصة القصيرة

عجوز إرنست

ثمانون عينا تتسكع في محاجرها في كل اتجاه ، أحسبها عيون سرب من الحرابي ، تقتحم تلك الكتلة اللحمية المترهلة ، تكاد تجردها من ملابسها الداخلية ، عشرات المخاخ الملساء ،تنزلق فوقها الكلمات ،تتشظى على صفحتها طلاسم الجمل :
صغرى ٠٠٠كبرى ٠٠٠ لها محل ٠٠٠ليس لها محل !
يهوي بجسده البدين على الكرسي ، المتهالك ،مؤخرته المكتنزة تحدث صريرا مزعجا ، يصيح فينا :
– أ فهمتم يا أولاد ؟
لم نكن نعرف ، أفهمنا أم لا ؟ لم نكن ندرك ماذا سنفهم ! نصيح صيحة بركانية ، عالية ، بصوت واحد :
– نعم فهمنا يا أستاذنا !
تنبسط ، أساريره وترتسم ابتسامة عريضة على شفتيه :
– إذن ما هي الجملة الكبرى ؟؟!؟!؟ما هي الجملة الصغرى ؟
يطبق صمت قاتل ، تكسره ذبابة خضراء قادمة من مأدبة جيفة ما ، خارج المدرسة ، كحوامة تحط فوق أنفه الكبير : أنف سيرانو ، يريد دهسها ، يهوي عليه بلكمة قوية ، تخرق الذبابة المجال الجوي للفصل ، وتتلاشى عبر فتحات النوافد، نستحضر قصة : المرأة والذبابة والقاضي ، نحنط همهماتنا على شفاهنا !
يتملكنا خوف شديد ، نندس في بعضنا كأسراب سردين أو قطيع شارد ، قد يفلت ضعيفنا بقوينا ، نتكتل ، نريد امتصاص ردة فعله ، ونقتسم العقاب بيننا بالميزان !
يتلمس محفظته البنية القديمة ، يتمعن بحسرة وحنين إلى الماضي ، توقيعات أصدقائه أيام الزمن الجميل تزركش ظهرها ، يصرح فينا ، والزبد يتطاير من بين شفتيه :
-فيا موت زر إن الحياة ذميمة ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ويا نفس جدي إن دهرك هازل!
جذاذات امحى مدادها ، طال بها العهد ، عصى غليظة يراقصها رقصة أفعى ، تتربص بالطريدة ،متوعدا،مهددا، والغضب يكاد يتلف عقله ، يكاد يخنقه !
-أنتم كذابون يا أولاد ال ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠!
يكتسحنا بلل بارد من الرأس إلى عمق المداس ، تسري روائح كريهة بين الصفوف ،تزكم أنوفنا ، نتبادل نظرات الاستنكار ، والشماتة :
ربما فعلها جبان في سرواله ، ربما تشققت مصارينه؟
أتظاهر بالاهتمام ، ألصق عيني في سحنته القمحية ، وفي قرارة نفسي : لو أتف ٠٠أتف ٠٠ أتف على وجهه اللعين ،هذا ،المكروه حد الغثيان !
أختلس نصف نظرة تحت الطاولة ، تلتصق عيناي مباشرة بعيني إرنست ٠٠ يبادلني نظراته الحادة ، الموسومة بدهاء ثعلب ، أبالغ في النظر إليه :
قبعته المائلة صوب الناصية ، تلاشت ألوانها ، بهتت تماما ، كثرة اللمس تذيب الحجر : ملمس متسخ ، ملمس نظيف ، هذا يحترم إرنست ، ذاك يتظاهر به فقط !
من ملامحه البنية ، تفوح رائحة البحر والطحالب ، ممزوجة برذاذ أمواج باردة ، يحدثني إرنست :
– تفضل يا ولد ، اصعد، اصعد ، المركب يوشك أن يبحر، العجوز ينتظرك ، اخرج من نتانة هذا الفصل ، ماذا يهمك أنت أ كانت جملة كبرى أو صغرى ، فإنك لن تجني إلا صداع الرأس ، ستضيع في متاهة أسبقية البيضة أم الدجاجة ، البدرة أم الشجرة !
أجيبه بحيرة وأنا استرق إليه النظر ، تحت الطاولة :
– يا إرنست ، ربما مات العجوز ؟ فمن سيقود هذا المركب في عرض بحر دوما متلاطم الأمواج ؟
-اصعد يا ولد ! سؤالك هذا سمعته من زوجتي ، لا أذكر أكنت في الفصل الاول أم الأخير ، أنا مثلك لا أعرف هل سيموت أم لا ، ألا تراه لازال على المقود ؟ احمل المياح ، وانطلق في عالم الحرية ، إنتش بزرقة البحر ، وصياح النوارس ، و لذة الصيد الوفير !
-لكن يا إرنست لماذا المياح؟ فهل ستكو ن هناك مخاطر؟ سأكون في عرض البحر ، والربان عجوز تشققت يداه بجر الحبال ، ووهن العظم منه ، وأنا أخاف البحر ، فإلى أين تقذفني يا إرنست ؟
-اصعد ولا تخف ، البحر ربيب الحرية : لا عصىى ، لا جملة كبرى ، لا جملة صغرى ، سيعلمك هذا العجوز معنى الحياة ، والانعتاق من قيد هؤلاء الجهلة !
يراودني البحر والنوارس على نفسي ،و العجوز الطيب يغريني ، يحمل المياح ، يقيه مخاطر المياه العائمة ، عصى بارزة النتؤات !
تسلبني نظرات إرنست تركيزي ،نظراته تنم عن ذكاء لا عن بلادة ذلك المستكرش ، إنه يحسن فن الإقناع !
أضع القدم الاولى على حافة القارب ، أهم بالصعود ، يمد لي العجوز يده ، أحزم أمري، أقرر ركوب البحر ، سأحلق بعيدا…. بعيدا … في عالم الحرية والزرقة التي تضاهي زرقة السماء !
فجأة ، ينتشلني هذا المستكرش ، الأحمق ، من حلمي ، ينحني على الطاولة ، يطل تحتها ، يده المفلطحة الغليظة تعيث في أذني اليمنى فسادا ، يحكها حكا ، أشعر بها ساخنة ، تكاد تنفجر ، أتألم ، أتأوه :
يخرج صديقي إرنست من تحت الطاولة ، بنشوة كمن عثر على صيد ثمين ، بنبرة حنق وغيض يصيح في وجهي :
-ما هذا يا ولد ؟
ألوك كلماتي ، تنفلت ثقيلة من شفتي المتورمتين ،ينز العرق من جبهتي :
– إنه إرنست يا أستاذ !
-من إرنست هذا ، أ هو الطراح في فرن حيكم يا ولد ؟
-لا يا أستاذ ، إنه [ همنجواي] يدعوني لرحلة بحرية رفقة هذا العجوز الطيب !
يرخي أذني ببطء ، كادت تنفجر دما ، يتوجه إلى تلك الجموع من الأجساد ، المتراصة على الكراسي الخشبية :
-زميلكم يا أولاد ، أصابه مس، لا ،لا ربما خبل ، ربما جن المعتوه ، يحدث صورة في درج الطاولة ، فهل رأيتم بحرا هنا ؟
– لا يا أستاذ نا !
– هل رأيتم عجوزا هنا ؟
– لا يا أستاذنا !
-هل رأيتم مركبا أو زورقا أو نورسا هنا يا أولاد ؟
-لا يا أستاذنا !
-إذن هذا لا محالة مجنون ، إنه يهلوس ، سأستدعي مسؤول الصحة المدرسية ، لينظر في أمره ؟
أمام عيني المغرورقتين بالدموع، يمزق وجه إرنست ، يتلف الأوراق ، يفركها ورقة ورقة بين أصابعه ، يكورها ، يدحوها، يشبع حنقه من تقطيعها ،يطوح بها قرب باب الفصل ، تستقر في قاع سلة المهملات والأوساخ ، أصيح في وجهه ، وأنا في عز غضبي الهستيري :
– إنه [إرنست همنجواي ]، يا أستاذ ، إنه لم يكن معلما مثلك ،يحمل عصى ، يلقن الجمل شهرا كاملا ،إنه يحمل قلما وهموم الناس ، إنها [رواية الشيخ والبحر] ، هذه ليست كراسة جملة كبرى، و جملة صغرى٠٠٠ !
ألملم نفسي ، أضع أقلامي في مقلمتي ،أحكم ربط حزام محفظتي فوق ظهري ، أخترقه بنظرات التحدي .، أصد باب الفصل خلفي ، يمتصني الفراغ ، تشيعني العيون ،حائرة ، مستغربة ، لكن مباركة فتحي العظيم !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
إنقاذٌ
التالي
الجدار العربي

اترك تعليقاً

*