القصة القصيرة

عدس وملح وشيطان

هرج ومرج وصراخ وعويل يجتاح السوق، الكل يجري ناحية ماكينة الطحين العتيقة التي تتوسط المدينة الصغيرة، شاب يمتلئ كفه بالدماء ضرب رأسه على الحائط المتهالك وهو يصرخ:
مات، قطعت رأسه، انتقمت الماكينة من غريب.
اخترق الحشود سلطان ابن غريب، فوجئ بالمشهد، والده شبه منفصل الرأس بجانب الماكينة اللعينة، أسرع بحمله والدماء تقطر منه والبلدة كلها خلفها، اختار المسارات المختصرة في الشوارع الضيقة التي تفصله عن المنزل، بعد دقائق طويلة وصل إلى المنزل المكون من طابقين، اندفع غير آبه بالصرخات والإغماءات التي اجتاحت أفراد الأسرة، وضعه على فراشه أخيرا ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
انهار على المقعد الذي وضعه خلف الباب ليمنع أي أحد من الدخول.
توافد جميع أفراد العائلة على وقع الخبر الكارثي، ومعهم حضر ضابط الشرطة الذي يعرفهم جيدا ليفتح محضرا ويغلقه في نفس الوقت كإجراء روتيني لتوضيح سبب الوفاة بعد تقرير طبيب الصحة الذي أثبت طبيعة الوفاة، عند العصر كانت البلدة كلها تسير خلف الجثمان نحو المدافن التي تحتل جنوب الطريق الرئيسي، كانت الهمهمات تسمع الموتى عن انتقام الحجر لظالم البشر وسارق الميراث، هذه الماكينة أخذها بعقد مزور وحرم شقيقاته من الميراث، رغم مرور سنوات طويلة لم ينسى أحد، انتقمت الماكينة لدعوات الأرامل وغضب الأم المكلومة ولعنات الأجيال التي عانت شظف العيش بسببه، تعالت الهمهمات:
من يصدق أنها استعصت على العمل حتى حضر وانحنى ليصلحها فاشتغلت فجأة وسحبت الشال الذي كان يطوق به عنقه ففصلته تقريبا ثم عاودت التعطل من جديد، يمهل ولا يهمل.
دفنوه، عادت القلوب الرمادية تتكلم بعد همهمة.
في اليوم التالي كان العزاء، حضر القاصي والداني، كما حضرت أخواته في صمت تعلوه ابتسامة ودموع.
كان الجميع متحفزا ينتظر لحظة الإنفجار، حتى كانت في نهاية اليوم حين تحدثت الشقيقة الكبرى أم حبيبة:
مات، ولابد أن يرتاح، هناك فرصة لنسامحه، أصلحوا ما أفسده.
صاحت زوجته الغاضبة:
عزيتم وانتهى الأمر، ميراثه لأولاده، الذي بيننا وبينكم قد مات، لا نريد أن نراكم مرة أخرى.
كانت الكلمات حاسمة صادمة.
لم ينطق أحد، خرجت عائلة غريب وقلوبها قد امتلأ عن آخره بالغضب والألم.
اجتمعت ليلى زوجة غريب بأبنائها، أربعة شباب وثلاثة فتيات أكبرهم سلطان في الحادية والعشرين من عمره، ضخم الجثة، فاشل في التعليم مثل كل إخوته، يساعد والده منذ الصغر:
لقد مات أبوكم، ولم يعد لنا عيش في هذا البلد، المبنى الذي يضم الماكينة يتوسط البلد ويساوي عدة ملايين، سنبيعه بعد الأربعين ونشتري بيتا ومصنعا في مكان آخر.
وافق الجميع وبدأ كل منهم يمني نفسه بالمرحلة الجديدة.
أخفوا الأمر عن الجميع، بعد عشرة أيام طويلة عليهم حضر المشتري بالعقود الأولية ومقدم الثمن، احتفوا به بشدة وأعدوا له وليمة كبيرة، بعد انتهاء الطعام جلسوا في غرفة الاستقبال، الأم وأولادها، المشتري ومحاميه ومعاونه، كان الليل قد خبأ شمس الخريف المتقلبة بستار من سحب متوسطة عابرة، بدأ المحامي في قراءة العقد الأصلي، عندما وصل إلى كلمة الماكينة انقطعت الكهرباء، تأفف الجميع، سب البعض، احتضن المشتري أمواله. قامت الأم لإحضار مصباح مؤقت، فوجئت أن الكهرباء قد انفصلت فقط عن منزلهم، طلبت من سلطان أن يسرع لمعرفة سر انقطاع الكهرباء، فوجئ بأن المفتاح الرئيسي مغلق، تعجب بشدة وأعاده إلى وضعية العمل، أخذ مكانه في المجلس، عاود المحامي القراءة، توقفت أنفاسهم حين انقطعت الكهرباء مرة أخرى عند نفس الكلمة…
بدأ الجميع يتململ. بينما شك المشتري أنها لعبة ما لأخذ أمواله. أكثر من أصابها الرعب كانت أم سلطان. قامت مع ابنها هذه المرة تستطلع الأمر. كان المفتاح الرئيسي مغلقا للمرة الثانية. نظرت لابنها طويلا ثم طلبت منه أن يحرس المفتاح لعل أحدا من عائلة زوجها اللعينة يقوم بخدعة ما.
عادت إلى ضيوفها متعللة بقدم الوصلات الكهربائية. طلبت منه أن يتجاوز المقطع الأول ويكمل قراءة العقد. استمر المحامي في تلاوة البنود حتى جاء ذكر مالك الماكينة. ما أن ذكر اسم غريب حتى سمعوا صرخة قوية ومعها انقطاع للكهرباء في المنطقة بأكملها. صرخ الجميع. فر المشتري ومن معه دون أن ينظروا خلفهم وهم يتعثرون في كل شيء على ضوء هاتف محمول. تمالكت الأم نفسها وطلبت من أبنائها التوقف عن النحيب. ذهبت مسرعة إلى سلطان على ضوء الكشاف. وجدته ملقا على الأرض. انكبت عليه تحاول إيقاظه. جاءت ابنتها الكبرى ومعها زجاجة مياه ألقتها عليه. أفاق أخيرا وهو يرتعد بشدة. أخذ يهذي بكلمات غير مفهومة. كانت حرارته مرتفعة جدا وقلبه ينبض بعنف. تفحصت الأم مكان المفتاح الرئيسي. فوجئت به محترقا. ساندوا جميعا سلطان حتى وصل إلى فراشه. طلبت من ابنها سالم سرعة إحضار من يصلح الكهرباء. بينما طلبت من ابنتها حنان أن تستدعي الطبيب المجاور على وجه السرعة.
عادت الكهرباء بعد عدة ساعات من العمل. كان تفسير الكهربائي أنه ماس شديد مجهول السبب أدى لاحتراق اللوحة بالكامل. بينما أكد الطبيب أن سلطان قد تعرض لصدمة عصبية شديدة.
انتشر الخبر في الحي كله، لم تتحسن حالة سلطان لعدة أيام، أخيرا استعاد وعيه كاملا، طلب الانفراد بوالدته، صدمتها كلماته تماما:
– لقد كان هو، والدي، غريب.
– ماذا تقول؟ هل جننت! لقد دفنته بيدك؟
– أرجوكِ صدقيني، لقد كنت حذرا تماما، حتى أني ظللت متعلقا بالمفتاح، فجأة، وجدته أمامي، كانت ملامحه غاضبة ساخطة، وقد رأيت النار تخرج من عينيه.
– هل عدت لتناول المخدرات يا ابن المجنونة؟
– لا أعرف.
– أكيد أقارب والدك العقارب عملوا لنا عمل سفلي بوقف الحال، غدا تقف على قدميك، سأستدعي الشيخ حازم ليبخر المنزل ويتتبع أثر هذا العمل الحقير.
جاء الشيخ حازم بأدواته وشياطينه. اشترط إخلاء غرفة كاملة من كل ما فيه ذكر لله. بدأ في ممارسة طقوسه في حضور سلطان وأمه. رائحة البخور تعبق المكان. تلاوات بلغة غريبة وألفاظ عجيبة يرددها. كاد سلطان أن يضحك. دخلت الشقيقة الصغيرة تحمل كوب ماء ساخن طلبه الشيخ. فجأة فتح عينيه وصرخ في فزع:- لقد حرقتي لي أحدهم أيتها اللعينة. ألم أقل لا أريد شيئا عليه اسم الله؟!
أسرعتوالأم بدفع ابنتها خارجا. فقد نسيت أنها ترتدي سلسلة عليها لفظ الجلالة.
أخذ الشيخ يضرب رأسه وهو يعتذر بكلمات واضحة أحيانا. شعروا بالإختناق من كمية البخور الهائلة التي وضعها ومواد أخرى دارت برؤوسهم. فجأة لملم أشياءه في فزع شديد وخرج من المنزل صارخا: لن نقدر عليه. لن يقدر أحد عليه. لقد أصابه الجنون.
حاولت الأم الجري خلفه لتفهم على الأقل ما حدث. لكنه لم يعقب.
عادت أكثر حيرة وخوفا. اقترب منها سلطان والدموع تملأ عينيه:
ما رأيك أن نجرب الشيخ صابر. يقولون أنه يعالج بالقرآن ويطرد الأرواح.
نظرت له الأم متعجبة ثم قامت تقلب الكلمة:
أرواح؟! يعني الشيخ المشهود له بالقوة والمعرفة يجري مرعوبا والشيخ الطيب سيفعل ما لم يستطعه؟!
عموما لا ضير من التجربة، ولو أني أعرف النتيجة مسبقا.
حضر الشيخ صابر بعد أن شرح له سلطان كل ما حدث. بدأ حديثه بالأذكار والأحاديث والآيات الطاردة للشياطين ثم بدأ في توجيه حديثه للأم:- العدل نجاة. أعطوا كل ذي حق حقه يعالج الرضا الغضب الذي يحيط بهذا البيت.
غضبت الأم بشدة وطلبت منه التركيز في عمله دون فلسفة. كل صاحب حق راصد وكل مرصود محظور.
نظر لها غاضبا ولكنه آثر عدم المجادلة في هذه المرحلة.
طلب إعادة المشهد كما تم تماما. جلست العائلة كلها في الغرفة الرئيسية تترقب. بدأ سلطان في قراءة بنود العقد بعد أن حصلوا على نسخة مشابهه. بدأت أعصابهم في التوتر ونبضات قلبهم في التسارع والعرق الغزير يغطي جباههم. صرخت الصغيرة من الرعب حين اقترب سلطان من ذكر الماكينة. تسلل الشيخ في هدوء إلى مفتاح الكهرباء الرئيسي. قرأ سلطان الكلمة. صرخ الجميع بما فيهم الأم حين انقطعت الكهرباء من جديد. عادت الكهرباء بعد قليل. ثم ظهر الشيخ ممتقع الوجه ترتعد أطرافه وهو يردد الآيان القرآنية بصوت مهزوز مرتفع. هدأوا جميعا بعد قليل. أفاق سلطان من إغماءته وانهار في بكاء مرعوب. تمالك الشيخ نفسه بعد أن ارتشف ماءا باردا. ثم أخذ يردد:
الغضب يحيط بالأحياء والأموات. الزائلون زائلون. والمقاومون مسحوقون. النار تحرق الحاضر. والسراب يغلف المستقبل. من ارتدى أجنحة الشيطان ضل. ومن ضل غل. ومن غل كفي على وجهه في الجحيم. الحق نور والظلم ظلمات أبدية. الغضب يحيطكم. الغضب يحيطكم. الغضب يحيطكم. ولن يكفيه موتكم.
أكملت كلمات الشيخ على ما تبقى من أعصابهم. انهارت الأم وأخذت تضرب وجهها : ماذا نفعل يا شيخ.
– مسار الموت مرصود والباب الفاصل مفتوح. لابد أن تغلقوه.
– وماذا نفعل؟!
– يقتاتون على الدم الأسود. أغلقوا الباب بالملح والعدس والمسامير.
طلبت منه تفسيرا واضحا لما يقول.
– الدم المراق على درب الموت يمنع غلق الباب وانتقال من يجب أن ينتقل، الروح لم تخرج وقت خروجها، بل خرجت حين أغلقت الأنوار وعلى الصراخ والعويل، كل نور في حضرة الموت ظلام، وكل غيب في حضرة الإذن منظور. عند مغيب الشمس أو عند شروقها، وفي نفس المسار الذي اتخذه سلطان بجسد والده والدماء تقطر منها، يعاود هو نفسه الحضور ناثرا أمام خطواته الملح الخشن غير المصفى، والعدس المغطى وغير المغطى، ويدق مسمارا في منتصف المسار على رأس كل خطوة، مسمار مدهون برائحة عرق الجسد الغاضب، ومبيت في كأس من البخور المنقى المليء بالعنبر المركز، في غرفة مظلمة بلا أبواب، كل يوم يمر يزداد الغضب، والإنذار سيتحول إلى فعل لا يبقي ولا يذر.
خلال ثلاثة أيام كانت كل الطلبات قد أعدت، انتشر الخبر في المكان، اجتمع المتطفلون والمحبون والشامتون في اليوم الموعود، جاء سلطان إلى الماكينة حيث أصيب والده، بقي على بزوغ الشمس وقت قليل، بدأ الشيخ في ترتيل تلاوات على المكان كله، أح الجميع اهتزازا خفيفا يزداد قوة، وضع سلطان الجرعة الأول ثم دق مسماره الأول، سمع الجميع صوت صرخة عظيمة، ارتعد سلطان، طلب منه الشيخ ألا يلتفت ولا يستمع ولا يتأثر، فالقادم أكثر صعوبة وألما.
استمر في طريقه والأصوات تزداد قوة، ظهرت آثار لنيران قريبة، سانده الشيخ بينما ابتعد الجميع، شعر سلطان بثقل شديد في جسده ومقاومة هائلة على يده، استمر الشيخ في دعمه حتى وصلوا المنزل مع شروق الشمس، دخل إلى غرفة أبيه وجسده يكاد يتمزق، ما أن دخل حتى أغلق الباب عليه، صرخ من الرعب دون أن يتوقف عما يفعل، كان صوت الشيخ يبتعد تدريجيا وهو يطلب منه الصمود والاستمرار حتى انقطع تماما، كان الشيخ قد توقع مثل هذا الموقف وطلب منه ألا يتوقف أبدا حتى يلقي ما معه على فراش والده ويدق المسامير حوله.
ازدادت المقاومة بشدة حتى ذهل عندما رأى الفراش يحترق أمامه، ثم مادت به الأرض حين رأى وجها ناريا يتشكل بصورة والده وسط الفراش، لكنه صمم على الإكمال حتى النهاية، زحف على كبتيه حتى لامس الفراش، ارتفعت الأصوات المرعبة من حوله حتى كاد قلبه أن يتوقف، في لحظة واحدة، ألقى بما معه على الفراش، هدأ كل شيء في نفس الوقت الذي أغشي عليه فيه.
فتح عينيه على مشهد غريب جدا، محمولا على الأعناق والصراخ في كل مكان، ميز صوت والدته تصرخ بحرقة، حاول الفكاك من مكانه، لم يستطع، حاول الصراخ، كان في فمه شيء ما يغلقه تماما، أحس بنفسه ملقا في مكان ما أظلم بعد قليل وابتعدت الأصوات، تخلص أخيرا من الرداء الذي كان يكبله، وجد نفسه عاريا في مكان مظلم، سمع أنفاسا لاهثة وحرارة تزداد تدريجيا، التفت، وجد الوجه الناري يبتسم له.

السابق
غني
التالي
صبابة

اترك تعليقاً

*