القصة القصيرة

عرس الديب

بين أضلعه يرفرف قلب استبدّ به شوق إليها بعد طول غياب.. لسانه الأخرص يدخر حكايات صغيرة لبث يراكمها سنة كاملة..ثملةً بفرح اللقاء؛ تطالع وجهه بمقلتيها الباسمتين الناعستين؛ تطوف بكل ثنايا؛ وجهه تحصي أفراحه الموسمية الصغيرة؛ وكأنها لعبة شائقة تزدان بها أنامل صبي يتيم ذاق صنوف حرمان . لا عليك! تسر إليه: لدينا ما يكفي من أوقات، و في جعبتي قصص شائقة، و هدايا أرجو أن تروقك!، و عبر ربوع الوطن؛ لديَّ معك صولات و جولات!..باسما يتلقّف همسها السّاحر؛ كما ظل يبسم كلّ ما جادت عليه برسالة مصورة أو مكتوبة؛ تنتشله من خضم حزن جارف، و وحدة تقتله في صمت..إشراقته في عزّ اكتمال و ابتسامته الهادئة الصّامتة تكاد؛ تحتلّ مساحة فوق العادة؛ كفنان يُشَيِّع شخوص لوحته، ويهديها توقيعَه عربونَ سلام؛ يذكر هنا قصة ليلى و الذئب..ربما كان حيوانه الأثير بين صنوف أخرى ألفها منذ سنوات طويلة؛ تتردد على عيادته، أو كلّما أَنَّتْ في مكانٍ قصيٍّ عن سكناه؛إذ هو يلبّى النداء.. تعاود الكرَّة؛ فتداهمه بوابل كلمات باشّة حانية يلُفّها الرّجاء ..يبادل كرمَها ببسمة رسمها؛ وشفق قرمزي يشِعّ من عينيه عربون وفاء..ومن جديد يرسل بصرَه؛ إلى الأفق البعيد؛ يناجي الأقدار علّها تفصح عن جواب لألف سؤال..أما كان يجب أن أُدَلِّل نفسي بإجازة؛ يوم قرّرت أن تسدي لأجلي معروفا – عبر التاريخ – أدمنت عليه ملايين النساء؟!..
ذاهلة، حسيرة؛ تراه يُفرج عن ضحكته الأسيرة، تنصرف بدورها تخنقها الذكرى و تلعن الحلوى، الأفراح، الأعياد و كل الأحداث السعيدة.. تتساءل بدورها: أيُّ شيطان أخذني حينها ؟ و أيُّ فكرة حمقاء قادتني إلى حتفي ؟ أيَّ لعنة أحللتها بعشّي.. ورغم أنها شعرت ببعض العزاء حين مال عليها بنظرة شفيقة و تلقَّف منها دمعتها الحارّة يعلن لها أن كفى؛ كانت قد وجدت في البكاء ضالّتها وأدركت؛ أن عَبَرَاتِها المسفوحة تحمل لها ضحكاتٍ و ألف شفاء..عروسان جديدان يتفجرّان حبّا و إقبالا على الحياة..كانت قد اقترحت عليه إعداد ألوان من الحلوى؛ تكاد لا تخلو منها بيوت كل المغاربة؛ تعود جذورها إلى بلاد الأندلس و ربما إلى حضارات متوسطية متعاقبة؛ طابت في خُلدِه الفكرة، وحلّق منتشيا يداعب عبق الحلوى خياشيمَه؛ أجل؛ كان حلما قديما معتّقا في ذاكرته؛ لطالما حدث نفسه بعد كدّ ووحشة؛ بحب قادم تزفه إليه الأقدار.. قفل عائدا من مشاويره؛ يمتطي شوق إليها، و طبعا لتذوّق أوّل قضمة من ألذ حلوى.. أثنى على حبيبته أيّما ثناء..لم تكن صناعة منزلية خالصة كما كان يشتهي..ما الضير في ذلك؟ تسمرت أمامه باسمة كأنما تغازل المرآة: شكرا لله؛ و لأختك الرائعة إذ هي أسدت إلي هذا الصّنيع؟ وأردفت بلكنة تناغي فيه صفح الكرماء: المهمّ أنّ الحلوى راقتك؛ أليس كذلك؟!..مستبشرا شيّعتْه ولسانُ حالِه يقبل اعتذارها كما يحمل الإنذار..رجل بطبعه لا تنطلي عليه قصص من الحلوى..جُنّ جُنونُه حين اهتدى؛ إلى أنّ الصناعة لم تُسجّل بدار شقيقته ولم يشهد أشواطها بيته السعيد؛ كان يُدَمْدِمُ بينه و بينه كالمجنون: إذن، فذاك الإخراج قد تمّ بمنزل الأصهار..زفرة منها؛ ووجه ساهم و ضحكة بقدر ما تحمل من الوداعة و البراعة توحي بصورة موت زؤام يتربّص بالأحياء..ماذا دهاكم؟ يكاد يفتِكُ بنا الجوع؛ الغداء جاهز! ..
تهلّلت أساريرُه مغتبطا بولده العشريني؛وحيّى كهلا أجنبيا عاد يشاركه العزاء.

السابق
انفصام
التالي
إنبثاق

اترك تعليقاً

*