قراءات

عرض تحليلي نقدي لقصة “عذراء”

للكاتب عبد الكريم الساعدي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

“ومن يضيء أشلائي الراقدة على رمال الذبول؟ وكيف سأقابل أبي؟” أجل. معاناة لإنسانة انتهك شرفها وبيعت في سوق النخاسة كبقية الفتيات الأزيديات وانتهى بها المطاف في خيمة للمشردين من ديارهم حيث تدخل الدكتورة ثناء ليطالعها “وجه ذابت ملامحه، عيناها تبرقان حزناً..” فتلقي نفسها في أحضان ثناء، تدس أنفها بين ثنايا الصدر.. تغوص في ركام من قلق..” وتجهش باكية ” فقد أفسد الزمن رقتي وهتك أستار معبدي.” ياترى.. كيف يفسد الدهر رقة إنسانة تمسكت بعفتها التي انتهكها الإرهاب في غفلة من الزمن؟ إنها إذن في حالة نفسية متردية جعلتها تفقد إحساسها بالقيمة الأساسية للحياة التي سلبت منها كل شيء.. عائلة لا تعلم مصيرها ورفيق قد يكون حبيباً أو خطيباً نزف ورداً أحمر قانياً ” فقد نحروا سعيداً عند منعطف جنوني… أحرقوا قريتنا، ساقونا جواري لأسيادهم..” ضمن سلسلة حوادث دامية لتبدأ فيها “رحلة موتنا..” وما أقساها من رحلة بربرية أبطالها يرتدون ثوب الدين لينفذوا أجندة سياسية خطط لها منذ زمن ” فقد وطأتنا وجوه كالحة وكنا فرائس العمى، تسري بنا شهواتهم ليل نهار… يباغتنا حضورهم كل ليلة في جداول معلقة على كتف الأيام ولما قطفنا الأحتضار باعونا في سوق العبيد..” وكان هذا كافياً لانهيارها باكية، تلطم وجهها رغم محاولة الدكتورة في تهدءتها بأنهم “سينالون جزاءهم و… لم يكن الأمر بيدك” فأنت “لست الملومة على ماجرى.” ولكن.. ” من يعيد لي سعيداً وأحلامي المذبوحة على دكة الفجيعة؟ ومن يضيء أشلائي على رماد الذبول؟ وكيف سأقابل أبي؟ “ذلك الإنسان الذي حرص علي طيلة هذه السنين.. يا إلهي ماذا دهاني؟ أتراني لا أستحق الحياة.. أبي كيف أواجهك وأستار العار تلفني.. وهكذا تستمر بانهيارها و “تلطم وجهها ثانية، تخدش خديها، تمزق ما تبقى من أسمالها، يتعالى صريخها، تتشضى، تنتابها نوبة جنون، تسقط بين يدي ثناء مغشياً عليها” لتفيق بعدها وكأنها فقدت عقلها أو كادت. أحساس بواقع ممزوج بلحظات جنون قد يغادرها أو ربما يلازمها الى الأبد.. ” تحدق في الفراغ، تتجاهل الحضور، يتوقف البصر عند ملامح ثناء..” فتلتفت هامسة:
– ” أريد أن أسرك بأمر لا يعرفه أحد، فهل تصدقيني؟ “
– ” نعم حبيبتي، سأصدقك.”
– أنا ماريا.. مازلت عذراء..”
يحاول القاص عبد الكريم الساعدي في هذا النص الواقعي الموقفي، توثيق جزء من مأساة الطائفة الأزيدية التي عرفت بوداعتها واحترامها واعتزازها بتقاليدها وعادات الطوائف المتعايشة معها. فكانت تلك القصة التي تخص ثيمتها theme عذراء شنكال التي اغتصبها الدواعش الذين غزوا البلاد ضمن مؤامرة خارجية وتعاون بعض الخونة من أبناء البلاد طمعاً بمنصب أو جاه على حساب خيانتهم لشعبهم.. وكانت ماريا إحدى الضحايا فقد تقصد الكاتب منحها هذا الاسم لتشبيهها بمريم العذراء أولاً وللتعبير عن احترامه للأخوة المسيحيين الذين عاشوا بأمان مع بقية أخوانهم.. انها حقاً توثيق حضاري ومنشور سياسي يكشف الحقيقة المرة التي واجهت شعبنا. وقد توزعت التفاصيل بين سرد حرص الكاتب على تركيزه “النداء يمتد، يقصف سمعها، يمازج دعاء مرتجفاً بصقيع السواد….” والتحدث بضمير الغائب أحياناً Third person ” ابنتي.. سأسفح نشوتي على قارعة الهجير، أرتدي عبق المغامرة، فأمسح دمعك هناك في الأصقاع النائية.” وبين الحوار Dialogue الذي حُصر بين الدكتورة ثناء وماريا، بعيدا عن الاسهاب معتمداً التلميح ومبتعداً عن التصريح ضمن بعد زمكاني عشنا وسطه وكأننا ضمن شخوصه، وقد زادته عمقاً وإثارة استعمال الكاتب لعبارات بدت كلماتها منسجمة ضمن ترابط Collocation مثل “يصدمها الصدى” وأيضاً ” يخرس المسير عند العتبة.” حيث تتوقف الدكتورة ثناء في سكون رغم الصراخ في أعماقها لتعطي دلالة التعاطف مع الضحية. وقد دارت القصة حول نفسها لتنتهي بجملة ” أنا عذراء “، لتطابق العنوان تماماً. إن الأحداث حيكت ببراعة جعلتنا نشعر بكامل السيناريو فقد امتلكت هذه القصة معاييرها الفنية وخصائصها التقنية واستندت على ركائز تدوينية جعلت النص يعبر عن ذاته ويتوغل لذهن القاريء بانسيابية أخاذة وتسارع ملفت للنظر، رغم أننا قد نشعر أحياناً بضرورة عدم استعمال أسلوب المجاملة من قبل عذراء منكوبة هدر شرفها وذلك عند حديثها مع الدكتورة ثناء ” سيدتي ثناء. لا أريد الانتظار . أريد ان أرجع الى شنكال.” وكذلك ” أتعلمين سيدتي. إني لا أخشى حرب قبائل…” وأعتقد ان الكاتب من حيث لايدري يعكس نفسه reveals himself من خلال تصرف مهذب لكنه قد يبعد المتلقي عن عمق الحدث وانسجامه مع السيناريو الذي حيك ببراعة. ولكي تكون قفلة القصة conclusion منسجمة مع الواقع جعل الكاتب ماريا في حالة انهيار أدت إلى غيابها عن الوعي لتفيق وكأنها فقدت جزءاً من عقلها ” تحدق في الفراغ، تتجاهل الحضور، يتوقف البصر عند ملامح ثناء. تبتسم، تهمس في أذنها……. أنا ماريا.. مازلت عذراء.”
ولو كانت ماريا في كامل عقلها وصرحت بعذريتها لدخل النص في تناقض لا يحسد عليه، بين حزنها على مأساتها وتصريحها هذا. ولكن الكاتب وبذكاء منحها حالة من الغيبوبة، وهي حيلة لاشعورية تخلص الأنسان من موقف فوق طاقته، كانت نتيجتها شروداً ذهنياً جعل زعمها بأنها لازالت عذراء مقبولة جداً. وقد نتساءل: مالسبب الذي جعل القفلة هكذا؟ وقد يكون الجواب مقنعاً لي على الأقل وهو التركيز على ان ماريا لازالت طاهرة نقية فهي عذراء الروح والنفس الأبية ولابد أن تبقى طاهرة نقية اعتدي عليها ماديا لكن قيمها لازالت نفس القيم التي تربت عليها، كما أن شرودها الذهني يخلصها، إن استمر، من الأحراج الذي ستواجهه مستقبلاً وهي بين بقايا عشيرتها أو عائلتها وفي حضن أب يخفف عنها مأساتها.. ويمسح دموعها.. “ابنتي..سأسفح نشوتي على قارعة الهجير، أرتدي عبق المغامرة فأمسح دمعك هناك… في الأصقاع النائية.”
القاص عبد الكريم الساعدي… يسلم ابداعك.. تحياتي.

(القصة)
عذراء شنكَال*
توكّأت على صمت الريح، تستفزّها النخوة، تثيرها مواجع الخديعة، العتمة تحمل صراخاً موجعاً، كانت تبدو مثل فراشة تنشد وهج الحرائق، تساير طريقاً يلهث بالمسافات، يمتدّ أسى من عينيها حتى سوق (عبيد الجنس)، تتقافز أسئلة ومخاوف من النهايات، متاهات تشهق بالمجهول، صوت يجزّ صمت الشفاه:
– من أين سنبدأ؟
– من المخيم.
النداء يمتدّ، يقصف سمعها، يمازج دعاء مرتجفاً بصقيع السواد، يغفو على أسمال مزقّتها مخالب الغدر، مازالت تشدو خوفاً:
– من يضيء أشلائي الراقدة على رماد الذبول؟
كم عذّبها النداء، ترتجف أناملها الناعمة فوق أسطر من دمع شلّالاً ينفض غبار السكون:
– ابنتي، سأسفح نشوتي على قارعة الهجير، أرتدي عبق المغامرة؛ فأمسح دمعك هناك، في الأصقاع النائية.
تيمّمت زمناً تكدّر فيه الصفاء، تستقي من وجه الصباح دثاراً لخطواتها، وتمضي على جمر الفجيعة، أرامل فقدنَ وهج المواقد، زوجات يربكهنّ اللقاء، فتيات بعمر الورد، يترجّل الدمع من عيونهنّ، يمازج عشب القرى، يتلو وجد القلوب الكسيرة، تهرّأت آخر الخطوات حين لاح المخيّم عن بعد، تتوقف دكتورة ثناء، تحبس أنفاسها، يصدمها الصدى، صدى صراخ جسد فرّت أشلاؤه بين أنصال حادّة، تبحث عن آخر الخطى، الطريق ملبّد بالوحل، يئن بأنفاس ثكلى، تتقافز على جانبيه صبية، يرتدون البرد جلباباً؛ فيرتسم الدمع سلاماً على خدّيها، تبتلع رضاب الترقب، يلفحها سموم الجواب:
– هناك، في تلك خيمة.
ما زالت الخطوات عليلة، ينبجس من تحتها ينبوع حنين، تذري لهفة للعناق، يوخزها القرب، يشرئب باب الخيمة خجلاً:
– دعوني وحدي.
يخرس المسير عند العتبة، تمدّ يدها، تزيح طرف الخيمة جانباً، يطالعها وجه ماريا، وجه ذابت ملامحه، عيناها تبرقان حزناً، تتوهان في مهبّ الخجل، تلقي نفسها في أحضان ثناء، تدسّ أنفها بين ثنايا الصدر، تنفض بقايا حشرجة، ينسج الخواء خيوط الإحباط، يتفجّر خوفها، تغوص في ركام من قلق، تمسح ثناء رأسها، تكفكف دمعها:
– لا عليك، أنت بين أهلك، ارفعي رأسك.
– لقد أفسد الزمن رقّتي، هتك أستار معبدي.
تتّجه صوب نافذة الخيمة، تمدّ رأسها، لا أحد، تفتح سرّها بحذر، تهرول ناحية الأمس، تجلدها سياط التذكر:
– كنت أنا وسعيد يختطفنا الشوق، نراقص أحلامنا البريئة، نغرق في دفء الهمس، فرحين، تغازل خطانا الدروب…
تجهش بالبكاء، تفيض عيناها دمعاً، ترتجف خوفاً، تصرعها صور مرعبة، صور تقهقه بالقتل:
– لقد نحروا سعيداً عند منعطف جنوني، كان ينزف ورداً أحمر، أحرقوا قريتنا، ساقونا جواريَ لأسيادهم، وتبدأ رحلة موتنا، وطأتنا وجوه كالحة، كنّا فرائس العمى، تسري بنا شهواتهم ليل نهار، لا يعرفون غير مفارق الأرداف، وانفراج السيقان، نستحمّ في موج مائهم، يباغتنا حضورهم كلّ ليلة في جداول معلّقة على كتف الأيام، ولمّا قطفنا الاحتضار باعونا في سوق العبيد، تطأطئ رأسها، تكتم شهقة، تختنق بدموعها:
– لا تبكِي، حبيبتي، سينالون جزاءهم.
تصرعها نوبة هلع، تلطم وجهها، تتعثّر بانطفاء بكارتها، تتقاذفها الظنون:
– لكنّي أخشى الفضيحة.
تتوهج ثناء حناناً، تضمها بين ذراعيها، تحنو عليها، تجفّف دمعها:
– لم يكن الأمر بيدك، لست الملومة على ما جرى.
– سيدتي ثناء، لا أريد الانتظار، أريد أن أرجع إلى شنكال.
تطوّقها اللوعة، يصرعها العطب، ترتعد، أسئلة حائرة تنفلت من شفة قنوطها، تنغرز في عيني ثناء دهشة:
– ولكن، من يعيد لي سعيداً، وأحلامي المذبوحة على دكّة الفجيعة؟ ومن يضيء أشلائي الراقدة على رماد الذبول؟ وكيف سأقابل أبي؟
تلطم وجهها ثانية، تخمش خدّيها، تمزّق ما تبقى من أسمالها، يتعالى صريخها، تتشظّى، تنتابها نوبة جنون، تسقط بين يدي ثناء مغشيّاً عليها، تخرس دقات الساعة، تتقوقع ثناء في لجة الغياب، تتأمل وحشة المكان، يحاصرها الانتظار، تهزّها أحلام ماريا النافرة، وصراخ سعيد، تنعدم الرؤية، تفقد خطواتها في عتمة الأوهام، تتطاير، تحلّق في دوائر مغلقة، تهبط على انفراج وعي ماريا:
– سلامات، حبيبتي ماريا.
تحدّق في الفراغ، تتجاهل الحضور، يتوقف البصر عند ملامح ثناء، تبتسم، تهمس في أذنها:
– أتعلمين سيدتي أنّي لا أخشى حرب القبائل؟
– ولا أنا.
تلتفت هامسة:
– أريد أن أسرّك بأمر لا يعرفه أحد، فهل تصدّقيني؟
– نعم حبيبتي، سأصدّقك.
– أنا ماريا، مازلتُ عذراء.

السابق
قراءة في نص “زبانية”
التالي
أخونك معك

اترك تعليقاً

*