القصة القصيرة

عصيدة شهرزاد

غرفة ضيقة ، بالكاد تكفي لأربعة نفر : أخي الصغير، شهرزاد ، شهريار ، وأنا !
جدارها مبلط بتراب مخلوط بتبن وجير ، نوافد ها بلا أبواب ، فقط ستائر قديمة ، تلمع فيهاثقوب ، كنجوم باهتة ٠ تتوسطها دعامة قديمة من خشب الأرز ٠مشنوق عليها فانوس تغازل ضوء شمعته ، نسيمات تتسرب من الخارج ٠٠
يمتص الظلام النور من حين لآخر ،ثم يلفظه ، فنبتهج و نتضجر حسب حركته!
ألصق صدري النحيل بركبة أمي اليمنى ٠٠أخي الصغير يحتل اليسرى ٠٠شهريار يدركه الصباح ، قبل أن تلوذ فراخ الدجاج بخمها : يلفظ برودة تعب الضرع والزرع من جسده ،ممزوجة بصفير و شخير وزفير ،نفرح لسمفونيته هذه لأننا سنعانق حرية حرة بلا قيود !
هناك في ركن قصي من الغرفة ، تعود والدي النوم ٠٠ رأسه ملتصق بالسقف كالمشنوق ٠٠ وكثيرا ما ينام مفتوح العينين ، تسميه أمي [الخرنق ] الأرنب ، هذه الوضعية، تزيد من شخيره وتقوي صفيره !
أمي ، تجلس في صدر الغرفة ، قبالة ،قدر طيني امحى طلاؤه ، يغلي كالبركان ٠٠ فوق نار ضعيفة يتلاعب البرد بشعلتها ، تناولها حطيبات يابسة من حين لآخر ،لتزرع فيها الروح يمعن القدر في التكتكة:
تك.. تك..تك.. تك..تك ..تك …تك..تك…تك..تك ..تك !
إيقاع موسيقي مرتب جميل ،كقطرات المطر تتكسر فوق قصدير الغرفة ، فننتشي بها ، في الليالي الشتوية !
تتجاوز العصيدة مدى القدر ،تقتحم الفوهة، تقمعها أمي بمغرفة خشبية كبيرة قديمة ٠
ننتشي بروائحها الطيبة، طفيليات تجوب تلافيف أمعائنا ، تقتسم معنا العصيدة : ملعقة ٠٠ ملعقة ٠٠لقمة ٠٠ لقمة ، وبالتساوي ، ملعقة٠٠ لنا ٠٠ملعقة للحنش ٠٠ وهكذا :
ديدان حمقاء طورت مناعة تستعصي على أعشاب وعقاقير أمي الحاجة ،ديدان وقحة ، استوطنتنا وشاركتنا أرزاقنا !
عيناي عينا حرابي ٠٠تدوران في محجريهما ،في رحلة مكوكية ،بين خطوط مرسومة على بلاط حائط الغرفة ٠٠تسير في اتجاهات مختلفة و تتشظى عندملتقي التراب بقصدير ، السقف ٠٠ وخطوط منحوتة بين حاجبي أمي : متاهات ملتوية ، متعرجة ، وأخرى مستقيمة على ذقنها ، لكنها معوجة بعض الشيء ٠٠ تشي بأن الزمن عاث في جمال أمي فسادا !
تختلط علي خطوط زمن عشوائي ، وخطوط[ وشامة]فنانة ،بارعة دقيقة الصنعة ، لا تتشظى رسومها عند مهوى القرط من أمي أو عند تجاوزها الحاجبين :
خطوط هندسية جميلة ٠٠تشوش على جمالها تجاعيد وحفيرات دقيقة جدا ، تكاد تزيحها من مكانها !
كل خط ، كل وشم ، أتخيله مسلكا محفوفا بمخاطر كثيرة ،مرة يتجه إلى صحراء الربع الخالي ٠٠ مرة إلى جزيرة الوقواق ٠ وأخرى إلى جزيرة بعيدة ، مفقود داخلها مولود الخارج منها !
تقطب أمي حاجبيها،ينكمش الوشم ، تعوج الخطوط ،تختل قاعدة الخطين المتوازيين ، تنزل أشرعة المركب : شراعا، شراعا ،تتفحص مجاذيفها : مجذافا ، مجذافا . تستعد لتبحربنا بعيدا٠٠بعيدا إلى مدن الخيال والظلال ٠
أنا أثق في قدرتها على الإبحار٠٠ أشد ركبتها إلي أكثر فأكثر ، حتى لا أضيع في متاهات الرحلة !
أخي الصغير ، يلصق نظراته الزائغة بقدر العصيدة،يرقص رقصة حبيبات درة فوق جمرات ملتهبة ،يراوده حلم صبياني لعين :
أن يقذف نفسه في بركة كبيرة من العصيدة ٠٠أن يختفي فيها تماما ٠٠أن يأكل حتى التخمة ، أو أن يصبح حشرة صغيرة زجاجية ، غير مرئية ، تصول وتجول في قدر العصيدة من القاع إلى الفوهة ! أن يكسر سكاكين حادة تمزق أمعاءه فيسيل لعابه مالحا أو بلا مذاق ، يفقده الجوع قدرته على تمييز الطعم !
أمي شهرزاد بلا ملك ، بلا قصور ،لكن بلا سيف يتحسس رقبتها كل لحظة وحين ٠٠ حرة في الإبحار ٠٠ كفراشة البراري ، تطير في كتل من زبد ٠٠ تحفظ كل عجائب وغرائب الدنيا ٠٠ تتقمص الشخوص حد البكاء ٠٠ حد الضحك ٠٠ تتقن أدوارها ٠٠ راوية مميزة :
كل ما تحكيه حقيقة لا خيال ٠٠ تؤمن بذلك ، تقتنع به ٠٠ لذلك كان أبي ينعتها بالجنون ، والخبل ٠٠
تقطب حاجبا ، وترخي آخر ٠٠ تمرر يديها الناعمتين على رأسي وتقول :
-يا ولدي ،اليوم ، سنستريح في مملكة الملك الكذاب !
-من هو هذا الملك يا أمي ما سمعت بملك كذاب أبدا ؟
-ستعرف حكايته يا ولدي !
يصرخ أخي الصغير وعيناه ملتصقتان بقدر العصيدة :
– أمي ، أمي : العصيدة ٠٠ العصيدة ٠٠ العصيدة !
تنهره أمي بامتعاض ملحوظ :
-ما بالها هذه العصيدة ، يا ولد ماذا دهاك ؟
– إنها تحترق ٠٠ أشم رائحة الاحتراق !
-لا يا ولدي واحد من اثنين :إما الكلب القابع هناك تنفس ، (دار كرشو) أو أنك تشم احتراق مصارينك ٠٠ أما العصيدة فهي زاهية لاهية ، في رقصتها وتكتكتها الرائعة !
تعض شفتيها ٠٠تلتقطه من خذيه الشاحبين بكلتا يديها تدغدغ وجنتيه بلطف كلبوءة تحمل صغيرها بين فكيها :
– إسمع يا ولد ، إنها تغني :
تر٠٠ تر٠٠ تر ٠٠تر ٠٠تر ٠٠تر ٠٠ تر ٠٠تر !
لا تقلق ولا تقاطع حكايتنا !
– إذن ماذا تريد أن تعرف عن الكذب والملك الكذاب ؟
– الكذب ؟ اليس حراما يا أمي ؟
تنفرج أساريرها ٠٠تميل إلى جانبيها الأيسر :
– الكذب حرام؟ كبرت يا ولدي ، ما أسعدني بك !
-الكذب يا ولدي : أن تضع الأبيض ،مكان الأسود ، وأنت تعرف أنه لا لون يحل مكان الآخر ٠٠ أن تحول الشروق غروبا ٠٠ أن تجعل نبات الصبار يقتات على لحم البشر ٠٠كل كائن حي يا ولدي يكذب من أجل البقاء !
-وهل الصدق يقتل ياأمي ؟
– نعم يا ولدي : الصدق يقتل ، شهرزاد تفلت من سيف شهريار لأنها تكذب عليه ،وخيال الإنسان كذ ب في كذب ، والفراشة تنبت عينين جاحظتين على جناحيها ، لترعب البومة ، لولا ذلك لما بقيت حية ٠٠
تضحك أمي حتى الإغماء وتقول :
– لو لم أكذب على والدك يا ولدي لما حصلت على حفنة من فواكه جافة شهية من السوق الأسبوعي ، قلت له :
إنك أروع رجل في العالم ،فنفخ ريشه كالديك الرومي وتوهم ذلك حقيقة !
الكذب يا ولدي ، مباح شريطة أن لا يضر غيرك ! سأحكي لك حكاية الملك الكذاب !
أضغط على ركبتها بقوة ٠٠ ابتلع ريقي ٠٠ حكايا أمي : غريبة ، عجيبة ، وجبات دسمة !
-في قديم الزمان، كانت مملكة بعيدة !
أقاطع سردها بوقاحتي الشيطانية :
-أمي أنتم تفعلونها كبيرة ٠٠تلصقونها بزمن بعيد ومكان بعيد ، وأناس لا تعرفونهم أصلا ٠٠ إنكم تهربون بذكاء من حقيقة ما تفعلون !
تعض على شفتيها بحنق :
-لا تقاطعني يا ولد ٠٠ يا شيطان ٠٠دعني أنهي الحكاية !
-مملكة أساسها كذب بجميع ألوانه : أخضر ٠٠ أبيض ٠٠أسود ٠٠أحمر !
-وهل للكذب لون يا أمي !
– عندما نريد أن نكذب نصبغ كذبنا بلون ما ،فنقول مثلا كذبة بيضاء، أو نسمي النبتة عندما نقرر التهامها !
مملكة يحكمها ملك جبار ، طاغية ، يعشق الكذب ، ومن لا يكذب لا مكان له في مملكته ، يحضر وزراؤه كل كذابي المملكته ، يعطي الكذاب كيسا٠٠ يؤمر بملئه كذبا ، وإذا لم يملأه ،يجز السياف رقبته !
أشعربرعب شديد ٠٠ أتحسس قفاي خوفا من سيف سياف الملك الكذاب ٠٠بلهفة ، أتابع الحكاية !
-كيف لهم بملء أكياسهم من الكذب يا أمي !
كانت الرؤوس تجز بالمئات ، وكل رأس مقطوع ، يفتح شهية الملك للمزيد ٠٠ ذات يوم صرخ في حاشيته غاضبا :
– ألم تجدوا يا وزراء النحس والنكد ، من يملأ ولو كيسا واحدا كذبا؟
ضغط أحد وزرائه على صدغيه وفكر طويلا ، وجاءه الفرج ، وقال :
– لا نعرف يا مولانا إلا الكذاب بن الكذيذيبة ، يتقن فن الكذب ونظنه يفعلها !
صاح الملك فيهم :
وماذا تنتظرون ، آتوني به !
أحضروا الكذاب بن الكذيذيبة ، فقال له الملك :
-حياتك رهينة بملء هذا الكيس من الكذب ،إذا نجحت ستصبح وزير الكذب في مملكتي الموقرة ،وإذا أنت أخفقت ، فالسياف في انتظارك ، يجز رأسك ويفصله عن جسدك ، ويعلقه على مدخل المدينة عبرة لمن لا يحترم الكذب والكذابين!
-سمعا وطاعة ، هاتوني الكيس يا مولاي !
يشرع في تعداد أكاذيبه وهم يصدقونه :
-اليوم يا مولاي :
-فعلت كذا بفلان !
-فعلت كذا بوزيرك فلان !
-فعلت كذا بوزيرتك فلانة !
-فعلت كذا بحاجبتك فلانة !
-فعلت كذا بحاجبك فلان !
-فعلت بملك مملكة الكذب ك ٠٠٠٠٠٠
صاح الملك أغلقوا الكيس ، أغلقوا الكيس فقد امتلأ !
من الآن أنت وزير الكذب في مملكة الكذب !
-هكذا يا ولدي ما بين [ك٠٠٠٠٠ وذا ]جعل الملك يلغي كل طقوس الاحتفال بالكذب والكذابين ويتوقف عن القتل ويروح السياف في عطالة أو بطالة !
وعاشت مئات الارواح بين ك[٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠] و ذا.
(ومشت حكايتي مع الواد ….الواد …وانا شربت براد وبقيت مع الأجواد )!
و تشظت أشرعة مركب أمي على أمواج شاطيء واقع آسن :
أخي الصغير ، يغط في النوم ، وفي نفسه شيء من العصيدة بعد انتظارها طويلا ! العصيدة : تهدأ ترترتها ، انطفأت النار منذ فترة ، تضع أمي قصعة العصيدة شهية ، مملوءة عن آخرها، مباشرة على أرض الغرفة العارية ، توقظ أخي الصغير بصعوبة ،ليتعشى ، يقعى كالكلب ، يفتح عينا ويسد الأخرى ٠٠ عين واحدة تفي بالغرض ،تداعبه رعشة النوم لذيذة من قمة رأسه إلى أخمص قدميه:
ملعقة في فمه ٠٠ أخرى في منخره ٠٠ والثالثة في الأرض ٠٠وهو نائم وما هو بنائم :
– شررررررررر!
-شرررررررررر!
-شرررررررررر!
أصيح بكل ما أتيت من قوة :
-أمي أدركي العصيدة ٠٠٠ أدركي القصعة ٠٠كارثة يا أمي ٠٠ إنه يشرشر ها مباشرة في قصعة العصيدة !
-ماذا دهاك يا ولد ؟
-أخي يبول في قصعة العصيدة يا أمي !
– تلطم أمي فخذيها ، تعض أصابعها وتنهال عليه بصفعات قوية ،غاضبة ، على قفاه ،يصرخ ٠٠ يركل في كل الاتجاهات ، ينتشل صراخه أبي من لذة حلمه واحتلامه ٠٠ لم يدركه لا صياح ديك الفجر و لا صباح ٠٠ ولم تسكت شهرزاده عن كلام مباح ، فقط صياح أخي ٠٠ بحنق شديد : يتف أبي ٠٠يشتم ٠٠ يسب :
-تفوووو٠٠٠تفوووو٠٠٠ تفوووو٠٠٠تفوووو : أولاد البراز ٠٠البراز٠٠ البول والبراز حتى في قصعة العصيدة٠٠سلعة ناقصة ٠٠ وجوه الويل !
ينتعل حذاءه ، يتحد بالظلام ، يحل فيه ، يصبح جزء منه تتلف أمي وهي تهرول وراءه كل خطواته !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
انفلات
التالي
بكـــاء العصــــافير

اترك تعليقاً

*