القصة القصيرة جدا

عطس

من باب الفجر الموارب تسلّل ضوء خافت، فضح رقص الموجات حولنا، تعلو وتنخفض كلّما تدافعت مع مركبنا المتهالك في محفل البحر الكبير، موجات غطّت رؤوسها طرحة الزبد البيضاء، كم تمنت أمي قبل موتها أن ترى طرحة عروسي المحتجبة خلف ضباب الغيب، النسمات المتسلّلة مع الضوء تغازل أنوفنا بلغة نجهلها، فيجيب أنفي بسيل من العطسات، آه كم أكره العطس، حساسيتي المفرطة لأي تغيّر في الطقس تغرقني في موجة من العطس المتواصل، معلمي عبد الجبار حملني من رقبة ميدعتي ليرميني خارج الفصل، حين انتابتني هذه الحالة، شاركته في حملته عصاه الغليظة، وسيل سبابه الجارف من كان سببا في وجودي على هذه الأرض.
حين أغراني حلمي أنّي أصبحت في هذه البلاد مواطنا ذهبت لمركز الشرطة، لاستخرج بطاقة الهوية، تُثبتُ أنّي على هذه الأرض إنسان، له اسم، ورقم، وعنوان، لكن الرطوبة المعششة في المكان جعلت رذاذ عطسي يلامس أوراقهم الرسمية، صفعني العون، لا أعرف كيف وجدتني على الرصيف أمام عتبة المركز الشرطة مرميّا، منذ ذلك اليوم صارت تنتابني قشعريرة كلّما رأيت الهويّة.
في مدرّج الجامعة، النسمات المشبعة برائحة البحر فجّرت بركان أنفي، طالبة تعطّرت بعطن الطبقات المتخمة أظهرت التقزز، لم ألق لها بالا، فالمتفسّخات عن أصولهن يثرن اشمئزازي، فنكاية بها أطلقت لرذاذ عطسي العنان.
تراءت لنا الجزيرة، مقصدنا، ومهربنا، ومأملنا، رمانا مركبنا بعد طول أنينه وصراعه مع موج لم يكن معه في الخصومة ندا، على شاطئ فتح لنا حضن رماله، تهاوت أجسامنا المنهكة، تناثرنا كرذاذ بعدما عطستنا شواطئنا المتعبة، فتحتُ عيني على شرطة مدججين بالسلاح، من ذعري انتابني العطس اللعين، امتدت أياديهم الغريبة بمناديل ورقية لتكفكف تناثر رذاذ خوفي، هدّأ صوت النورس المرفرف في المكان تلاطم أمواج فزعي.

السابق
زوجة
التالي
فنيدة

اترك تعليقاً

*