مقالات

عطش النص ورؤيا الواقع

النص، أشياء الكلام المعلّى البريئة جدّا والمتّهمة جدّا، مسطرة المنصّة التي لا ترتّب سقف النّزول عنها، لكنّها دائمة النّباهة إلى الأرضية التي تقف عليها، نقف ويقف المعنى حائرا في انوجاده الأسطوري داخل متاهة الكلمات التي تتغيّر وتتبدّل إملائيا ونحويا لتشكل المظهر اللفظي والتّركيبي والدّلالي لمجموع الرّؤية والرّؤيا المتناهيتين إلى تشكيل لغوي يقول لحظته بالدّرجة الأولى ويقول ذاته أيضا.
النّص يمنح الناص بعدا وجوديا يلتحم فيه مع البكارة الواقعية، ليتواجه مع انغلاقاتها المعرفية والإشكالية مخترقا جوهرها المعتم محاولا الوصول إلى الرّؤيا، حيث الكلمات تنسج حميميتها مع مفردات الواقع المهملة والمدرجة في الوعي اليومي، لتحيل شبكة الحراك العادي إلى أرخبيل تتعدّد جزره النّصية، لتقول النّهايات الجمالية المفتوحة على المحتمل الممكن، في تأويلات تهب المخيال شرعيته الممكنة في ترتيب مداخل أخرى للواقع، والملاحظ من خلال جدلية النّص أن الواقع يحضر بشدّة في طروحات الأفق الرّؤيوي النّاسج لسدى النص، فهل النص هو مجرّد مقول تترتّب كلماته لتنجز بداهة وجودية مستهلكة، أم هو انصرام فجائي يواجه المهمل والعادي ليقول اللحظة الواقعية طبقا لما تحتِّمه معطيات القيم المضافة؟
تبني هذه الإشكالية حلم النص في أيلولته إلى فضاء التلقي، حيث يروم الناص الزّمن الذي يتشكل بين وجوديته الفيزيقية ووجودية النص الميتافيزيقية، لأن النص يخرج عن كونه مجرّد منظومة للكلمة/الجملة/النص، إلى انفصال تخييلي يستنسغ كيانيته من أفق الإختلاف، وذلك سر محفليته، فإميل بنفينيست حينما يرى في الجملة “الوحدة الأولى لمعنى اللغة”، وبالتالي ينزّهها عن العلامة المعجمية التي تحاصر أفقها الدّلالي، ويسمّيها “محفل الخطاب”، فهو بذلك يؤسّس لانتشارية حفرية داخل أنساق الواقع بما يرتفع بكليهما، أي اللغة والواقع، عن مسار المباشرة، فمفردات الواقع تكشف عن غموض يتلبّس البداهات الواقعية في انفصالها عن رؤيا النص، وبالتالي يصبح المعيار في انبثاق النص هو الكمون المعنوي أو الأفق الدّلالي الذي يلتحم مع مباشر الواقع لا لينفصل عنه أو يجاريه في مباشرته، ولكن ليعيد تشكيله في مراتب أشد فنية وأكثر رؤيوية.
يصل النّص مرحلة الكشف الدلالي حينما يباغت التمرحل الثابت في سيرورة العادي، بارتحال فجائي صوب مدارات أشد شفافية، فالنص في حدِّ ذاته كعالم قائم لوحده بشأن المنتظم اللغوي المسترسل عبر الكلمة/الجملة/النّص، يستحيل جرحا نقديا يمسّ بنرجسية العالم المتاخمة للتناسق والإستواء، ومن ثم تثبت للنص شرعيته في ترميز المعالم الواقعية عن طريق “اليقظة النّقدية” كما يراها بول ريكور، والتي تمارسها القراءة في النّص كما يمارسه النص في قراءته للواقع عن طريق “التأمّل الإبتدائي” و”التأّمل الثاني”، حيث تصبح الرّؤيا مَطَلُّ ينجزه النص كي يحقّق مشروعيته في تماسّه مع أنساغ الواقع المتّجهة إلى تفعيل الإرادة الوجودية، لهذا كان النص على الدوام منجز البحث عن الشرعية التي تمكّنه من التحكم في قصديات الناص المبرَّرة بالتلاحم مع الواقع حتى في أشدّ الطروحات انشغالا بالماوراء والطوباوية اللغوية، لهذا يتحمّل النص عناء تقديم نفسه كخلاصة منعزلة عن الكيفيات المنجَزَة والثابتة، تنحو صوب غلالات الواقع الأشد تماسكا وتعلقا بالإنسان أو الوجودية المكابدة في صورتيها الإراديتين الرِّهانية التي تتطلب الإنخراط في العالم قصد إثبات الوجود، والجمالية قصد تشفيف الرّوابط بالواقع.
هل نستطيع أن نتبصّر في واقع النّص السيّار معالم منجَزِه الواقعي بمعيار تعقل وإدراك الوسائل النّصية المخيالية والدّلالية؟
لا يمكن أن نصدر حكما قيميا مثل ذاك الذي يجيز لذاته أن يصف الوضعنة النّصية الرّاهنة بالقلّة أو الكثرية، لأنّ حلم النص أو النص كحلم يأخذ بالتلقي بعيدا عن تذاوتيته، أي إنوجاده كذات تحوز علاقة استهلاكية مع العالم، علاقة تتميّز بالرّشاد اليومي المدمج في تكرار الوظائف الحيوية التي يحتّمها المعيش، الحلم النّصي يبرهن على اختلافيته عبر انخراطه مع الواقع بوسائط لاواقعية، فالمتخيّل ينجز علائقه الدالة على عوالم متعدّدة، تمنح الواقع ذاته فرصة لكي يعيد اندماجه في وجودانياته الفاعلة وفق أنماط خارجية تتحدّد بإدهاشاتها لشدّة قربها من الواقع، فالنّص يجد منتهاه اللذيذ في رحابات القراءة، وهو ما يمهله فرصا عديدة كي يثبت علائقه المنفصلة عن الواقع، لأنّ القراءة هي محك البرهة التأويلية المفقودة في العلائق المباشرة مع الواقع، والنّص هو الفضاء الذي يحقّق على الدّوام العلائق اللامباشرة مع الواقع عبر ما يسمّيه جاك دريدا بمحبّة النّص، التي تجعل القراءة ممكنة.
إنّ الإلتباسات التي يخلقها النّص في علاقته بالقارئ تُعسِّر القبض على رخاوة علائقه بالواقع، فجاك دريدا يحدّد ثلاث رغبات، رغبة القارئ والرّغبة في النص والرّغبة باللغة، فالرّغبة في النص تفجّر رهافة الجمالية المانحة للإرادة القارئة، وبالتالي تنخلق وشائج محبّة بين النّص والقارئ تبعث بإيهامياتها المستبدّة التي تكرّس نوعا من البداهة في علاقة النص بالواقع، وبالتالي فما يصدر في أحكامنا على نص ما من أنّه لا يرتبط بالواقع، في الحقيقة ينبع من عدم وصولنا إلى ذاتنا الواقعية في مرآة النص، وليس هذا يجوز على الدّوام، فهناك من النصوص ما يتحقّق فيه هذا الحكم، حيث فعالية السّيرورة النصية تمتحن جدواها عند عتبات علاقة المحبّة بين القارئ والنص وما لم تتحقق هذه المحبة فإن البديل عنها هو النفور من النص، وهوما قد يفسّر مدى قرب النص أو ابتعاده عن الواقع .
إن البحث في جدلية العلاقة بين النص والواقع، لا يمكن أن تصبح مبرِّرا لإعلاء سطوة الواقعية في النّص، أو تبجيل النّص الواقعي، لأنّنا في حقيقة الحال إنما نبحث في وتائر الإنعكاسات الجمالية للواقع في النّص، بما يكرّس وعي اندراج أثر العلاقة نص/واقع في نسيج القراءة المحتملة والممكنة للقرائن النصية، وهو ما يمنح اللّغة بعدها الدّلالي الإيحائي النّافر من القاموسية المباشرة، الذي يتأسّس بالإبتعاد عن ترميم الواقع إلى تلغيزه برؤية رولان بارث.

السابق
أربع وعشرون ساعة …
التالي
مفهوم العنف الأدبي

اترك تعليقاً

*