القصة القصيرة

عكاز على الاسمنت

نظرتُ طويلا الى وجهه، بعد ان شغل مذياع السيارة، لكن الغبش الذي استوطن عيني لم يسمح لي بالتدقيق في ملامحه، كي اقارنها بملامح طفل حلو عزيز كقطرة ماء في الصحراء كان ينام على صدري ذات يوم من زمن مضى في عمر يلملم آخر الوانه من سحب الغروب قبل ان يسدل الليل لحدا في قبر نهار انتهى. عمرٍ كنتُ اراه من زجاج السيارة المندفعة كالجناح، فاكاد لا اصدق ان هذا الرجل الناضج الجالس الى جنبي وراء المقود، هو نفسه ذاك الطفل الذي اراه بوضوح في ذاكرة تزداد صفاءا كلما سقطتْ ورقة نهار آخر من شجرة عمر اوشك على القرع. لا اصدق ان ذاك الطفل الذي كان يضع راسه على قلبي وينام على تكتكة نبضاته، صار رجلا كان يجلس الى جنبي، واحس به بعيدا كأننا على مقعدين في قارتين وليس سيارة واحدة، لهذا كانت كلماته اقرب الى همهمات مبتسرة تشيح بوجهها عني، كلما سألته ببراءة الاب الذي اقترب لسانه ان يطفأ كلمته الاخيرة ويُودِع ما لم يقله من كلام الى تراب كتيم الاسرار.! لذتُ بالصمت، وتركتُ صوت المذياع يمتد بيننا كبحر. نظرتُ من نافذة السيارة، لم يكن هناك سوى نافذة على شريط ذكريات متسارعة من عمر اقفل ابوابه.. لم يكن هناك سوى سؤال كالجمرة في الحلق: كيف تحولتْ تلك الحرارة الفوارة من قلبي وانا اضمك الى صدري وانت طفل صغير، الى برودة قاسية كهالة من صقيع حول تمثال من ثلج كان يجلس الى جانبي يسوق سيارة مسرعة كشريط ذكريات.! ؟
طالما حاولتُ ان اقنع نفسي، عندما لم تعد تسأل عنا انا والمرحومة امك وقد صرتَ من علية القوم، أني السبب في ما حدث، رغم اني لم اجد في شريط ذكرياتي ما يؤكد ذلك. فعلتُ ما استطعت لاجلك، جعتُ لتشبع، عطشتُ لترتوي، بردتُ لتدفأ، سهرتُ لتنام، بللتُ خرقة من عرقي ووضعتها على جبينك كي لا تعبث بك الحمى.! وكيف لا وانا بالكاد كنت اصدق انك عشتَ، بعد ان مات اخوة لك في المهد، لهذا كم ليلة شط فيها الوسواس بنفسي، ووضعتُ كفي على قلبك الصغير اتحسس نبضه أمازال حيا.! كم تغير الزمن، ياولدي، إذ صار المواليد يعيشون في الغالب، بعد ان كانوا كعجول قطيع يولدون على مرآى من انياب مفترسة.! كم تغيرتَ.. اكاد لا اعرفك.! اكاد لا اعرف نفسي في عتمة غروب وشيك.! صحيح، لم اوافق على زواجك. كنتُ اود ان تختار زوجة من ارض جداتك.. لم احضر زفافك. كنت غاضبا منك.. لكنك كنتَ قد اتخذتَ قرارك.. وكنتَ مغامرا جسورا ولم تتردد، فثأرتَ للفقر، وصرتَ من اغنياء البلد.! صحيح، غضبتُ منك، وربما دعوتُ عليك في سري، وحتى جنح الالم بي احيانا الى الشك في ابوتي لك، لكن نظرة من عيني الى يد المرحومة وهي تمسك يدي بما تبقى من حرارة على منحدر العمر كانتْ تعذبني.! إذ كيف لابني يتركني انتظر مع البواب، عند اول وآخر زيارة لي الى داره الكبيرة كالقصر في المدينة.! ؟ لم استسغ ان يخجل من ادخالي على ضيوفه من علية القوم، لأني لم آت بسيارة كتلك المتوقفات عند بابه الفخم، كنتُ اعلم ان ثمنها لن يوفره كد اعمار باكملها وليس عمري فحسب، واني لم اخلف سوى حمار ينتظر عودتي.! لكن أيخجل الانسان من صلبه، مهما علاه الغبار والصدأ.! ؟صدقني، ساحمل معي غصتي وقد شابتْ الى قبري، ولن تصدر عني أنّة واحدة.. ساحمل معي حيرتي حول كيف اصبحتَ بهذه السرعة الطيارة ثريا الى هذا الحد، كما حملتُ معي ألمي وعدتُ ادراجي الخائبة بعد ان تركتك تتفرغ لضيوفك السامين دون ان اكلفك ابتسامة مرتبكة.! صحيح، شككتُ في نظافة يدك كثيرا، لكن ،في كل مرة، اقنعت نفسي ان لا اسحب عليك عجزي وغبائي وخوفي، ان اعترف لك باستطاعتك الثأر من الفقر الذي غلب عمري كله، لكني، ومع هذا، بقيتُ فقيرا، وبقيتَ بعيدا ،ممعنا في الابتعاد بذريعة الشغل الذي لايتوقف في شركات تكبر وتتوسع.. نعم، انت ناجح بامتياز وتفوق، رغم كل شكوكي في نظافة يدك، لكن نجاحك لم ينتشلني من بين الراسبين. نجاحك كان ضريبة علي تعلمتُ كيف ادفعها بصمت.! حاولتُ ان اراك عظيما وراءه امراءة كما قالوا لي، لكن شبحا يتبع كذيل ظِل امراءة ترفل في الذهب لم يغادر عيني.! ما كنتُ لأحتمل نظرة من عين زوجتك تسقط علي كما على زوبعة غبار تلوح على الطريق.! عشتُ ابيا.. ولا اريد ان اموت إلا أبيا.. لم يستطع الفقر الذي استنزف عمري ان يمتهن روحي. لهذا لم امد لك يدي يوما. وبقينا انا والمرحومة يدا بيد ندفع نهارات ثقيلة باردة في عربة من شيخوخة عارية تَعُدّ خطواتها المتبقية الى القبر. نشد على ارتجافة في كفينا ونمضي بعيون تلاحق جناحا يغيب في الافق البعيد بعد ان غادر العش الى الابد.! آخ، كم كان الموت قاسيا معي وتركني اعيش بعدها، ارتشف ذل عجز الشيخوخة على مهل.. كم تمنيتُ ان يأخذنا معا. ان لا اعيش بعدها.. لكنه أبى إلا ان يتركني ازحف حبوا على حصير من ألم الى قبري المفتوح.! فكرتُ في الانتحار، لكني لم ارض ان استسلم لحياة لم استسلم لها لحظة، وتركتها تمعن في تعذيبي ولم اعترف لها.! صحيح، لم تستطع قبضة العكاز الجامدة ان تنسيني يد المرحومة على المنحدرات، كما ظل طيفها يعيش معي كل حين، وصوتها يطلع مع خوار البقرة وثغاء الغنم وصياح الديك ونهيق الحمار، وياما اطفأ الدمع من عيني نار الصباح الوليدة.. كم ليلة تمنيت ان يطلع الصباح على جثتي. لكني عشتُ رغم انفي.! بعتُ كل سيء. استعنتُ بخادمة.. لكن، في الاخير، انتهى كل شيء، ولم اجد بدا من الاستنجاد بك، انت الذي لم تسال عني منذ ان اهلتَ التراب على قبر امك، بانتظار ان تهيل التراب على قبري.! وها انت تاخذني في سيارتك الغالية، الى عالم من اسمنت واسفلت يمعن في الغرابة لن ينسيني ذكرى جذع عزيز كنتُ اسند اليه ظهري المنهك هناك واحلق بعيني وراء غيوم آتية لتخبر اجنحة العصافير بوقت الرحيل.! ها انت تنزعني من جلدي. تقتلع مني جذور ارض انغرستْ عميقا في روحي. ها انت تقلب صفحة المكان في وجهي، وتتركني جسدا منكمشا في تجاعيده البيضاء يتكوم على حفنة ذكريات عزيزة.! القبر الاليف ادفأ، من هذا العالم الغريب الذي كنتَ تاخذني اليه. لكن الموت رفض ان ياتي قبل ان يمعن في تعذيبي.! هل اقترفتُ جرما ما لتلاحقني لعنة حياة انطفات الرغبة فيها من روحي.! ؟ بلا شك..! ؟ وإلا ما معنى هذا العذاب.! ؟ كنتُ اتمنى ان لاتضطرني الشيخوخة الى تشرب ذل يقطر من رموش زوجتك المتعجرفة. لكن الموت ابى وامعن في الخذلان.! لهذا كان قلبي الشيخ يضرب بقوة مكلفة ، بعد ان توقفت السيارة والمذياع الثقيل. كانت ارذل لحظة في عمري ان انبطح ذليلا في عراء شيخوختي امام الزوجة التي تستعلي علي.! شعرتُ اني سانزل الى الجحيم، بعد ان فتح في وجهي باب السيارة، بينما هو يضع الهاتف على اذنه. نزلتُ كآدم وهو يضع اول خطوة راجفة على الارض، وتقدمتُ، بينما السيارات لاتتوقف وسط ضوضاء لم اعتد عليها يوما، وراء ولدي وهو يصافح شخصا كان يقف عند باب كبير اسرع لاستقباله. سمعته يقول ، وهو يشير الي:
– اتركوه عندكم في الخيرية، انه من اقارب امي وقد بقي وحيدا في سن متقدمة، فاعتنوا به.
– اطمإن سيدي..
رد الشخص بانحناءة خفيفة.. ففهمتُ لماذا اصر ولدي ان امنحه الوكالة على ارضي واشجاري، قبل ان ياتي الي لياخذني الى بيته بانتظار ان ياخذني الموت.!فهمت انه ياخذني الى خيرية غريبة باردة اقسى من القبر ، وينكر ابوتي المخجلة له، وليس الى داره الفخمة.! لم انبس حرفا.. شعرتُ ببعض الراحة، لاني تجنبتُ ذلا يقطر من رموش زوجته على الاقل.. دفعتُ عكازتي امامي، ولانها كانت غريبة هي التي اعتادت ان تنغرز في تراب هش، انزلقتْ على الاسمنت، فسقطتُ ، وقبضتي المعرورقة مضمومة على حفنة ذكريات عزيزة حتى لاتتناثر مني.. ولم ابكِ، فقد جف نسغ الدموع من عيني.!

السابق
امرأة أمام المرآة
التالي
سؤال

اترك تعليقاً

*