القصة القصيرة جدا

على السرير الأبيض

الشمس ساطعة في كبد السماء، الحر يخنق الأنفاس، الطريق الخالي يبدأ في الازدحام، السيارة تتمرد عليه، يجفف العرق اللزج، أبواق متذمرة، صيحات وشتائم، نظرات جانبية حانقة، صرير فرامل يصم الآذان، رعد قاصف، ألم رهيب، قشعريرة وبرد شديد، أضواء مبهرة ثم ظلام دامس، صخب ولغط يعقبه هدوء تام، يُقبِّلُ رأس الصغير في حنو، يرخى عليه الغطاء ويتركه لينام، يظل هو أرقًا يتقلب على جنبيه، كسمكة عالقة في الرمال ترنو إلى ماء قريب، تاه عقله في أودية الفكر، كطائر غادر عشه لأول مرة وضل طريق العودة، يغفي ويفيق من شدة التعب، تتقافز الصور إلى ذهنه بلا ترتيب، كحاسوب أصابه (فيروس) فراح يخبط خبط عشواء: صورة زفافه إلى حبيبة القلب بعد طول انتظار، أمه التي ماتت قبل أن تفرح به، القذيفة التي كادت تودي به في ميدان المعركة، بين أشلاء الرفاق التسعة كان هو الوحيد على قيد الحياة، زوجته في المخاض، يبتهل إلى الله لتسلم هي والجنين، حفل حصوله على الدكتوراه، الرمال الساخنة تلهب قدميه، أزيز الطائرات يصم أذنيه، طيور حديدية ضخمة قد سدت الأفق تصليهم نارًا حامية، والرمال تلهب أقدامهم الحافية، يجرون في كل اتجاه على غير هدى، الرماة يتراهنون، يتضاحكون، يلهون باصطيادهم كالأرانب البرية، الدماء والصرخات تملأ الآفاق، الصحراء تردد أناتهم، كأنما تشاركهم نكبتهم، أغاريد الفرح بوصول ابنه الأول، صدمة علمه بمرض طفله بالتوحد، طابور تبادل الأسرى، سرادق العزاء في وفاة والده، أفاق على صراخ الصغير، هرع إليه، ليضمه إليه، يدٌ حانية تربت على صدره، تمنعه من الحركة برفق، عينان باسمتان تطلان عليه، صوتٌ ودود يهمس في أذنه: “الحمد لله على السلامة”، صاحب البالطو الأبيض يتنهد في ارتياح ويغادر غرفة الإفاقة.

السابق
خطأ
التالي
طلاق

اترك تعليقاً

*