القصة القصيرة

على عتبات الشمس أقف مخذولا

لا أعرف لما ولكن أحسست هذا اليوم أن الشمس مفعمة بالحزن محملة بالكآبة، فما لبثت أن انطلقت من مخبأها المشرقي، وحدق كل منا في الآخر شعرت أن غصة أخرى تضاف إلى ميزاني، مددت يدي نحو النافذة في محاولة يائسة للوصول إلى وجه الشمس والمسح عنها، لم أظن أبدا بأن لهيبها سوف يحرقني، فبطريقة ما شعرت بأننا مترابطان وأن كل منا مكمل للآخر، هي وهجي المتنكر وأن ظلمتها المختبئة، لم يلبث هذا المشهد سوى لحظات حتى رأيتها تبتعد إلى البعيد البعيد، حينما حاولت النهوض واللحاق بها كان هنالك جيش من الغيوم قد أغلق الطريق أمامي، و ظلت هي ترقبني من بعيد قبل أن تختفي تماما، ناديتها في سري المفضوح ” عودي إلي.. أو فلتخذيني معك، دعينا لا نفترق يا صديقتي، فإنني قد مللت كل شيء هنا، ولا أظن أن كل هذه الأشياء تستلطفني أيضا، لا الأرض التي أمشي عليها، ولا الهواء الذي أتنفسه، ولا حتى الوجوه العديدة التي أستقبل تشاؤمها وسعادتها المصطنعة كل يوم، عودي إلي.. أو فلتأمري جندك هؤلاء أن يفسحوا لي الطريق للحاق بك” التصقت بالنافذة والدموع الغزيرة تنطلق من كل جهة من وجهي ، حاولت أن أناديها من جديد لكن هذه المرة بطلب آخر” يا منارة الكون، ويا بوصلة الصباح، احتويني في لهيبك واصهريني بداخلك، ولا تخشي من شيء فإنني لن أمانع أن أكون قطعة منك” حينها انبثق من بين الغيوم المتراكمة نور كثيف، كنت أراها وهي تتقدم نحوي، يبدو أنها سمعت ندائي الأخير ورضيت بي شريكا لها، ارتسمت ابتسامة كبيرة عريضة على وجهي حتى كادت تصل أذني وتوقفت الدموع الغزيرة، لكن تلك الفرحة لم تدم طويلا. وفجأة حدث أمر غير متوقع، توقف الوهج عن الاقتراب مني وعادت الشمس إلى الابتعاد من جديد، شدهت وعبست.. صرخت ” لا.. لا..لا تغادري ” قفزت متجاوزا سريري وأسرعت مغادرا الغرفة، نزلت الدرجات بخفة لم أعهدها من قبل،لم أعبأ بنداءات ذلك الكائن القابع في وسط المنزل، لم أكن أفكر إلا بشيء واحد فقط، كنت أريد اللحاق بالشمس والمضي معها إلى اللامعلوم، لم أحتمل مفارقتها لي فصرخت في وجهها وهي تبتعد ” توقفي.. توقفي أيتها العاهرة، إن بيني وبينك ميثاق، فلا تنقضيه بهذه الطريقة، توقفي قلت لك، توقفي أيتها العاهرة” لكنها لم تتوقف وردت علي بطريقتها فقد اخترق آخر قبس من نور غيمة صغيرة وضرب وجهي حتى أعماني، وتعثرت على إثره فوقعت أرضا ليزداد ألم يدي المكسورة ضعفين. من المؤكد أن وصفي لها بالعاهرة لم يرقها فقررت أن تعاقبني بسببه، وتلبدت السماء وهطل المطر بغزارة غير مسبوقة.. أما عن المشهد الخارجي لكل ما كان يدور حينها، فقد كان جميع من في الزقاق يراقب جنوني في حيرة، كنت استمع إلى كل ما كان يدور حولي وكل النعوت الخرقاء التي ظنها السفلة بي لكني كنت في حالة إعياء تام فلم أستطع الرد أو حتى تعديل وضعي على الأرض.
أطلقت ضحكتي المكتومة مغالبا اللم، فالأمر في تلك اللحظة كان يستدعي الضحك،ثم تركت الدموع تمتزج مع قطرات المطر وتسيل كما لم تسل من قبل، واستسلمت للإغماءة المفاجئة التي حلت بي.

السابق
شلل…
التالي
جبنٌ

اترك تعليقاً

*