القصة القصيرة جدا

على قيد حياتين

واحد، إثنان، ثلاثة، أسمعها ترددها بإلحاح منذ بزوغ الفجر، وحتى غياب آخر شعاع ضوء. كانت تتوقف لبعض الوقت، ربما لتأكل أو لترتاح قليلا. شرفتها المطلة على بيتي تتيح لي رصد كل حركاتها سماعيا دون تمكني من رؤيتها. اعتدت على طقوسها اليومية مع أنني لم أكن أعلم ما الذي تقوم به، مجرد شعوري أنها تمارس شيئا معينا حتى لو لم تتضح ماهيته إلى الآن، كان يشعرني بنشوة مراهق يتحسس أماكن حساسة في جسده عند كل صوت يصدر عن تلك الجارة الغريبة الأطوار. عملية العد تلك كانت تفسح لي مجالا لاحتمالات عدة. كأن تكون متخلفة عقليا؛ فلا أحد له مقدرتها على الاستمرار بما تفعله على مدار اليوم دون كلل أو ملل. سمحت لخيالي أن يقتنص لحظة انهماكها فيما تقوم به، حيث علت وتيرة صوتها إلى حد أنني شعرت بلهاثها يلفح وجهي بسياط الشهوة التي تملكتني في تلك اللحظة. كان علي أن أتسلق الجدار كالعنكبوت وأتمدد وأستطيل حتى أصل إلى الجدار المقابل، ومن ثم أقتحم خلوتها الضوضائية لأتمكن من إطفاء تلك الرغبة بعناق طويل ونبدأ العد سويا: واحد، إثنان، ثلاثة. كل ما فكرت به كان ضربا من الخيال جراء كبت للغرائز ومعاناة طويلة في الإقبال عليها والإدبار عنها. هدأت نفسي بعد أن أحرقت لفافة التبغ إصبعي في خضم تلك التهيؤات والأوهام. لم أعد أسمع شيئا آخر سوى صوتها في خفوته إلى أن أصبح همسا وبدأ يزحف على جسدي كأفعى لا تكف عن الفحيح. لم أعد أحتمل مثابرتي على الوقوف مراوحا على الخط الفاصل بين عالمين؛ لأجد نفسي بين مطرقة وسندان أتلقى الضربات واحدة تلو الأخرى. صباح هذا اليوم اختفى صوتها تماما، وخيم صمت قاتل على كل شيء من حولي. أين هي الآن؟ لم لا تمارس طقوسها المعتادة؟ لم أنا قلق ومتوتر هكذا؟ كل هذه الأسئلة أثقلت علي وحشرتني في شهقات غصت بها حنجرتي، تخللتها بضع مفردات تفوه بها أحدهم بصوت أجش: “واحد، إثنان، ثلاثة” ثم اختفى آخر شعاع ضوء مع آخر حفنة تراب أهيلت علي.

السابق
خيانةٌ
التالي
العيشُ في زمنٍ آخر

اترك تعليقاً

*