القصة القصيرة

على مشارف الانهيار

الشارع مزدحم جدا يتنفس اطارات السيارات المتخمة بالركاب المحشورين فيها , وصوت محركاتها المتذمر من هذا الازدحام يكاد يعبث حتى بالفضاء و رائحة دخانها التي اسكرت الطريق وادخلته في متاهات هذا الزحام .
نزل من سيارة الاجرة وهو يترنح , وانا أتسأل في نفسي كيف سيعبر الشارع ؟!.
كنت في الجهة المقابلة انتظره , قامته الهزيلة كانت تتهادى من بعيد كأنها المرض المزمن , و منظره يوحي و يعطي دفعات من جرعات الالم .
اتجه نحوه !! طبعا سيتحدث عن نفسة وهو كالثمل و يقول انه بخير ؟!.
حتى سائق سيارة الاجرة , نظر الية بوجه عابس وهو يحاول ان يخرج من جيبة الاجرة , كانت يداه المرتعشة تتحرك من غير هدى ولا صواب و بطئ شديد .
صافحني , اشرت الية لنجلس الان , كان محل اللقاء مقهى شعبي حيث الكراسي البسيطة و المناضد الخشبية المرتخية الاوصال و مساميرها الظاهرة .
فرفعت بصري وانا ابحث عن ( الكهوجي ابو محمد ) , فقلت له ماذا تشرب ؟!
– اشرب حامض ؟!.
– لا تريد شاي ؟!.
– لالا , اريد حامض فقط .
فرفعت صوتي عاليا ( ابو محمد واحد جاي و واحد حامض ) .
فتلفت يمينا ويسارا , وقال لي / كم لديك من المال ؟!.
– لماذا ؟!.
– اريد ان اقترض من مبلغ 100,000 دينار , لحاجتي الماسة لها , اريد ان اشتري هدية لها تليق بمقامها عندي .
– الى الان لم تتركها ؟!.
وما زلت تتصل بها و تقابلها ؟!.
متى تقتنع انها ليست لك ؟!.
– سأعلن موتي يوم ان اتوقف عن التفكير بها .
– أشفقت على حاله و تألمت علية وانا اراه كيف ان الحب اتعبه , فأخرجت من جيبي المبلغ ودفعتها له , فتلقفها بيده المرتعشتان كما يتلقف فم الجائع اللقمة .
وعينية تدمعان من الفرح وهو يردد كلمات الشكر و الثناء , ووضعها بجيبة ثم ارتشف رشفات سريعة من الحامض ثم انصرف مسرعا حتى يلحق بموعده.
وهو يلملم شعث شعره المتطاير من قمة راسه التي بدأت تلمع تحت اشعة الشمس .
وجبينه الذي خط علية الزمن تواريخ السنين بعمق على الجلد , لملم اغراضه و ذهب مسرعا .
– مع السلامة اراك في وقت لاحق , وقفز بخطى سريعة متجها للشارع لكي يوقف سيارة الاجرة ليصله’ للمكان .
نهضت انا ايضا مسرعا و الفضول يدفعني لكي الحق به و اراقبه عن بعد , ماذا سيفعل , دفعت ( للحج ابو محمد الكهوجي ) الحساب وخرجت انا ايضا مسرعا كالبرق نحو الشارع اتبع خطواته , اوقفت السيارة وانا اقول للسائق اتبع السيارة التي امامنا الى اين تذهب , لم يبتعد كثيرا عن المقهى الشعبي , ففي المنطقة المقابلة نزل لكي يدخل في الكافيتريا .
نزلت انا ايضا مسرعا بعد ان دفعت الاجرة للسائق , ودخلت الكافيتريا كالمتسلل الذي يخاف ان يراه احد , جلست بهدوء في ركن بعيد حتى أراقبه , انتبه علي ( الكابتن ) وتقدم نحوي مسرعا , وهو يسالني
– أهلا بك , ماذا تطلب حضرتك ؟!.
– اريد فنجان من القهوة .
– و اركيله ؟!.
– لا , انا لا ادخن ابدا .
انصرف وهو متذمر ظناً منه اني سأكون معه بخيلا بالإكرامية , عاد بعدها وهو يحمل الفنجان مع وصل الحساب , دفعت له الحساب و اعطيته الاكرامية على امل اني لا اطيل الجلوس , فملئت وجهه ابتسامة عريضة و انصرف عني مسرعا .
جلست بعدها وانا ارقبه من بعيد , مضى الان نصف ساعه وهو ساكن في مكانه ينتظر , عاد الي مره الاخرى ( الكابتن ) وهو يحاول احراجي بسؤاله
-هل تريد ان تشرب شيء اخرى استاذ ؟!.
-نعم اريد فنجان قهوة ايضا .
انصرف مسرعا وعاد بسرعه وهو يحمل هذا الفنجان ليخبرني اذا كنت ستطيل المكوث فلا داعي لان تدفع الحساب الان .
مضت الان ساعه كاملة وهو في نفس مكانه , وسحابة الدخان تخيم على مكانه , كان منظره من بعيد يعصر القلب , يجلس وهو مُطأطِئ الراس .
مضت الان ساعه و نصف , أدرت تماماً سر معاناته ولما هو يمر بهذه الحالة فأشرت للكابتن ليحضر عندي , وقلت حدثني عن هذا الرجل الذي يجلس هناك في هذه الزاوية .
– يا سيد انه رجل منذ سنه تقريبا يجلس في نفس المكان الذي جلس اخر مره فيها معا امرأة تشاجرت معه ثم انصرفت , ومنذ ذلك الوقت يأتي و يجلس لوحده هنا لساعات ثم ينصرف , ولقد خصصنا له دفتر للديون , وكاد ان يطرده صاحب الكافتيريا لان ديونه بلغت 100,000 دينار ,لكنه اليوم سدد الدين فسمح له صاحب الكافتيريا بالدخول , وها هو كعادته مثل كل يوم ومنذ ذلك الحين .
نهضت من مكاني وتوجهت نحوه لكي اخذه معي , و قبل ان اصل له قال بصوت عالي .
– انا اعرف انك تراقبني منذ ساعات , ارجوك حياتي انتهت من دونها انا هنا اموت بهدوء فتركني بسلام .
استدرت بوجهي عنه و مضيت نحو الباب و فتحتها وخرجت وعيني تفيض دمعا على حطام انسان يموت كل يوم .

السابق
غربة وحصاد
التالي
ماورائيات

اترك تعليقاً

*