القصة القصيرة

على هامش الحياة

مقهى صغير، ذو باب أمامي يفتح على شارع رئيس، وبابه الخلفي يفتح على شارع فرعي يرتبط بالشارع الرئيس بدخلة (ممرّ) صغير.
ديكورات مترفة وأنيقة تميّز داخل المقهى، إنارة خافتة، شبابيك مظللة، مدخل وارف الأشجار، أقفاص العصافير والكناري تنتشر في ثنايا الأشجار.
أرادته هند أن يكون رئةً يتنفس فيها كل من يدخله، واعدّت ليوم افتتاحه في يوم جمعة كل عدتها، فأعلنت عنه وعن مالكته، وأهدافه، وجلساته، وجعلت ذلك الافتتاح في الخامسة عصرًا، ليتسنى لها أن ترى الحاضرين بوضوح؛ فكل ما يهمها هو شخص واحد تتمنى حضوره ورؤيته، بعد أن فقدت الأمل في العثور عليه.
منذ ثلاثة عشر خريفًا كان وليد هو شغفها الوحيد، بعد أن كانت شغفه وعشقه الأول والأخير قبل أن تفرق بينهما الأيام ونوائبها. ومنذ أن نزلت من سلم الطائرة، عائدة إلى البلد، آلت على نفسها أن تخرج من السجن الذي وضعت نفسها فيه كل تلك السنين العجاف المشؤومة.
كان المقهى أفضل مشروع عرض عليها لتستثمر ما ورثته من زوجها، ولتستطيع أن ترى الناس والنور.
استكملت الدعاية للمقهى مصرة على أن تتضمن كل إعلانات المقهى المرئية والمطبوعة صورتها واسمها واضحين، ليراهما الجميع، ولعل وليد يراهما.
يوم الافتتاح اتخذت ركنا استراتيجيُّا يرقب الداخلين والخارجين، إضافة إلى الكاميرات التي ستعاود مراجعتها ليلًا.
بشعره الأشيب ونظارته البنية السميكة استطاع ان يتجاوز في لحظة غفلة منها رقابتها الشديدة للباب، واتخذ له ركنا قصيًّا، وأخرج رزمة أوراقه، وشرع يكتب:
نجلس كلانا في المقهى نفسه، لكن كل منا في زاوية بعيدة عن الأخرى. يضج المقهى بالناس وقوفًا وجلوسًا، لكننا نلمح بعضنا من خلالهم، ونسترق نظرات خجلى تحيط بتفاصيلنا، ثم نعود بتوتر إلى فنجانينا المتشابهين، سادة، نكملهما، ثم ندفع الحساب بفاتورتين منفصلتين، لكي لا يعلم أحد أننا متشابهان، قريبان على مفترق طرق، بلا لقاء.
هو يعرف أنها تلك الصورة الغائبة الحاضرة في روحه، القابعة بكل تفاصيلها قائمة بين أضلاعه.
وهي وقهوتها، ورواية تطالع فيها من حين لآخر، وقطعة حلوى، كما اعتادت كل يوم، لا تتملكها إلا تلك الرغبة في معرفة نهاية البطل، وذلك الذي يسترق النظر.
خرجت من الباب الخلفي، ركبت سيارتها، وخرج
هو من الباب الأمامي كما دخل، ومضى ليقطع الشارع الذي غزته عتمة الغروب، ولكنه توقف فجأة ليمسح نظارته، ثم تابع قطع الشارع في اللحظة التي خرجت هي من الممر بسيارتها مسرعة، تفاجآ كلاهما، لا هو استطاع أن يعود، ولا هي استطاعت أن تكبح سيارتها، ارتمى على الشارع، وطارت نظارته، لكنه بقي متشبثًا بأوراقه.
نزلت من السيارة تكاد تتجمد من الخوف، دنت منه، ونظرت في وجهه، فازداد ارتجاف شفتيها، واصفرّ لونها، لكنها لم تستطع أن تنبس بكلمة.
أغمضت عينيه، واستلت منه رزمة أوراقه، وجلست إلى جانبه، وأخذت تقرأ بصوت عالٍ وجرأة تخالطها الدموع والنشيج، آخر ما كتب:
نحن المركونان على هامش الحياة، تمضي بشغف دون أن نستمتع بها، نعد لياليها وأيامها بلا “أجندات” داخلية ولا خارجية، سوى أننا نأكل ونشرب وننام!
ننام، لعل لقاءً في المنام يكون، وها قد عجز مقهى – على ضيقه – أن يجمعنا.

السابق
لقمة
التالي
هو والمنصّة…

اترك تعليقاً

*