القصة القصيرة جدا

عمود الإنارة…

انطلقت نظراتنا في متاهات عكسية منذ لقائنا الأول حين مغربية,لتلتقي بعد لفها والدوار في ذات المركز البصري, كشبكة عينية واحدة, في ذات الشارع الخلي الواحد, وكأننا حاويات بشرية….
نلتقي حين يحل الظلام زائراً متكرراً. . .
العينان بالعينان, والذكريات ذاتها, الأنين الصامت, أونغمة عالية الحدة وأخرى منخفضة المدة… كلأهما يعبران عنا كما يعبر النظر عن كلانا, وعما نبحث.
أراني في اِنعكاس عينيها كما تراني من اِنعكاس عيناي, في بركة الضوءالمنبعث ظلاماً من عمود الإنارة الجائعفوق رؤوس ساكني الحاويات في مدينة الحُب والسلام…. فالجميع أصبح مثلها, العمود, العيون, الحاوية؛ إلا البطون, كانت تصدر ضجة هرة شغبة من أثر الجوع, أكاد أرى مخالبها في عينا تلك الطفلة المائل عمود إنارتها على ظهرها المائل قبلاً…!
منطفئة.
كانت تراءمخالبي الشغبة في نهم أنهكه البحث…. مرتوأنا أنظر إليها بهيئتها الرثة,أطياف من المشاكسات المضنية كأسرابالقطط ولا أجد قطة..!فلعل الجوع خلُص منها ونحن ننتظر دورنا لنخلص من جوعنا, فقبلاًكان الوطن يلحفنا بعضاً من جوده المعهود, ككسرة خبز في طوابيرهالتُخما”طوابير القطط البشرية”….. ولكن البخل المصطنع عاث في الأرض فساداً وحل الظلام في البطون ليجوع الوطن أكثر, ولكن الحمد لله جداً فلا طوابير الأن, فالزحام بات نذيراً بالموت….
تكاد أذناي تتفجر من صخب القرقرة, ولكن أهي المنبعثة عنها أم تلك الصادرة عن هرتي الشغبة…! فكرت, ونفضت فكرتي بهدوء مخافة أن أُنهك أكثر فأجوع, وأيقنت أننا شباع, شباع جداً من كثرة الجوع.
من أين يصدر ذلك الصوت المُنهك جوعاً…؟ لا زلت أتسال, تباً لي كم أحبالفضول, وإن كُنت يا إنسان على فراش الرصيف الخلي من الطعام…؟
نعم وإن كنت كذلك, سأبقى متسائلاً بفضول:
.بطن من تلك الخاوية…؟
نظرت نحوها متبسمه لا, بل ضحكت هههههههههه وأنهكني شبعي من الضحك,معتقدة أن ذلك الصوت صوت خواء بطن الحاوية…
نعم نحن كذلك وهي كذلك مثلنا “ذات بطن ماضية”.
ولكن في أخر الوقت وقبيل البزوغ أدركت, ملتفته نحوها بذات اللفتة البصرية الواحدة بيننا, لتلك الطفلة المنعكسة في عيناي فأشرت نحوها قائلة:
ـ لا ذلك الصوت صوتها, ولا ذلك الصوت صوت الكرامية الباقية, بل تلك القرقرة الصادرة, هي قرقرة عمود الإنارةالمتخم جوعاً من وفرة الظلام الذي يدب في مفاصله الهالكة..
ومضت تفتش تحت عمود أخر وحاويته الخالية, ومضيت مثلها, كلاً في اتجاه ـــــــــــــــــــــــــــ .

و عمود الإنارة يرقبنا بعين مظلمة من فرط العتمة وأخرى لظلمته الباقية.

كاتبة وقاصة، ماجستير في الإرشاد النفسي.

السابق
الحارات العربية
التالي
الجَنْىُ

اترك تعليقاً

*