القصة القصيرة

عم بسطان

أوقف نزيف الصمت صوت خفير يجشأ بعيدا
– مين هناااك؟ “بنبرة باحث عن الونس”
ليرد عليه خفير آخر بصوت أنعم: مين هناااك “يقصد نحن هنا”.
ليست كل “مين هناك” ك “مين هناك”؟، هي ليست سؤالا أو جوابا: هي كلمة السر أمام بوابات الليل و جواز السفر لعالم آخر لا يدركه إلا الخفراء و من يستطع أن يفك شفرة ال “مين هناااك” و فهم دلالتها.

نزل الدرج مهرولا و هو يقلد صوت الخفير الأجش
– مين هناااك … مين هناااك
بعدما سألته جدته: نعناع و لا جرنفل يا حمد؟.
كانوا يشربون الشاي جده و جدته و عم “بسطان الغفير” بعد العشاء، يشربه دور تاني بالنعناع أو بالقرنفل. لم يصدقوا إجابته على السؤال التقليدي
– نفسك تبجى إية لما تُكبر يا حمد؟ “سأله جده العمدة مداعبا”
ليحل الصمت من جديد.

قريتهم: “سكساكة” شبه جزيرة في النيل يربطها باليابسة لسان صغير أخرجته من فيها لتلامس بالكاد ضفة النهر الغربية و تخرج -بقصد- خارج تصنيف الجزر.
أجابه زاعقا في وجهه بدلال حفيد قُتل أبوه غدرا.
– غفير، عاوز ابجى غفير حداك يا جد و أجول مين هناااك.
بدا الجد مصدوما و لم ينبس ببنت شفة و هو يعض على شاربه المشوش بحركة عصبية يعرفونها جيدا و يرنو إلى عجوز تخرج بدورها زفرة حارة تعلن بها براءتها.
– هيييييييييح “ليتضوع المكان كله بنكهتها الساحرة”
لم يقو على النظر إليه كان يعرف أنه السبب أورثه عنه كل شيء إسمه و رسمه حتى ثأره.
كان هو من قتل جارهم منذ سنين و لما سألوه عن السبب أجاب إجابة باهتة بلا لون تخفى أكثر مما تفصح
– نسي أصله الفلاح بن لكلاب
كان اعتزازه بأصلهم العربي مبالغ فيه، رغم أنهم قبائل نازحة من شبه جزيرة العرب إلا إنهم يرون أنفسهم أعلى كعبا و أرفع شأنا من السكان الأصليين (الفلاحين)
فلما كبر أبناء الفلاح لم يأخذوا الثأر منه فهو قاب قوسين أو أدنى من الموت، قتلوا “نوارة” البيت أباه المحامي المستنير آخر من تتوقع أن يكرهه أحد لا أن يغتالوه بضربة ساطور على رأسه ليشقوها نصفين و يهجّوا من القرية.
ما زال الثأر عالقا حبل مشدود ينتظر من يقطعه، لما أراد أعمامه البحث عنهم و الأخذ بالثأر صاح جده فيهم
– مش هياخد تاره غير وَلده حمد

كلام عن علاقة مشبوهة بين جده و زوجة القتيل
عرف هذا من عم “بسطان الغفير ”
رجل نوبي، نظيف، بشوش، تجاوز الستين، مقطوع من شجرة، و مدمن حشيش، يهمس الناس سرا بأنه مخصي، لا يتكلم إلا لماما فإن تكلم أسرك بحديثه المائز، جلبوه طفلا في سن السادسة من النوبة من قبيلة يقال لها “الفاديجا” ، كانوا ثلاثة مات الإثنان و بقى هو، في الأصل خفير و لكنه الآن لا يعدو أن يكون خادم و جليس و حارس له، الجميع يحبونه، مُهاب و يتحاشاه الناس، كلفه العمدة بخدمة حفيده بعدما تزوجت أمه من عمه.
كان كذلك الطائر الذي ما أن يجن الليل حتى يعلق برجليه في فرع شجرة مدليا منقاره للأرض و لا يتوقف عن الصراخ خوفا حتى ينبلج الصباح.

لما سأل عم “بسطان الغفير” ذات مرة
– ليه جدي ميشيلش بندجية متلك؟
– العمد مايشيلوش بندج يا ولد، الغفر بس يشيلوا البندج.
– ليه بس الغفر عم بسطان؟
ليسترسل كماء النهر المترقرق أمام ناظريهما تحت شجرة التوت الوارفة و هو يلف سيجارة.
العمد ما يحتاجون البنادق يا ولدي يكفيهم بنادق الخفراء
” أشعل السيجارة و شفط نفسا طويلا و زفره على مرات متقطعة”
الخفراء هم عسس السلاطين و كاميرات المراقبة في “المولات” الحديثة
هم عسكر المحتسب و هم جباة الضرائب و محصلي الرسوم.
من يَعّدون علي الناس الدراهم و الدنانير و يعرفون الأرقام السرية لخزانتهم “الديجتال”.
هم خفافيش الظلام يستيقظون حين ينام الكل و يبصرون بلا عيون حين يتخبط الجميع في العتمة.
وحده الخفير …
“و قد جحظت عيناه و احمرت و برقت بريق لم يره من قبل”
يقف على “الدرك” شامخا كالمسيح ليخبر الناس بما أكلوا بالأمس و بما يدّخرون في بيوتهم.
من يتسمع ليلا على النساء غنجهم و على الرجال تأوهاتهم، يستطيع أن يخبرهم -لو أرادوا- كيف يصنعون من الحب أطفالا و يعجنون من ماء شهوتهم دمى و عرائس يدسونها خفية تحت وسائدهم.
يستطيع أن يبهرهم بحكاويه عن العشق الممنوع و العلاقات المحرمة و ما هو مدفون في القلوب.
كلب بوليسي مدرب على رائحة العهر و الدياثة يكشف المستور و يعريه و لا يبوحه إلا إذا ناوشته فأطلقت نباحه.
يملك سلاحا و لا يقتل يسير وحيدا ليلا و لا يجرؤ أحد على اغتياله،
لبندقيته مهابة و رهبة و لمخزون أسراره سطوة و نفوذ.
و حدهم الخفراء …
“و قد لف سيجارة أخرى ليشعلها من شعلة السيجارة الأولى”
دوي ما يملكونه من فضائح أعلى صوتا من طقطقة بنادقهم الصدئة.
ما في جيب البالطو الميري من أسرار أكثر مما يملكون من خرطوش و طلقات.
أقسى أسلحته صيحة مبحوحة كإنذار مائع لا يمنع حريقا و لا يطفئ نارا
– ميييين هناااااك؟
“قالها و هو يمطها و يلحنها كمطربي الموالد”
يعطيك مساحة للهروب و وقت للرحيل أي سخاء و أي كرم!
لا يعرف القتل التقليدي
يقتل بأشياء أخرى أشد فتكا يقتل فيك الروح قبل الجسد يقتلك و أنت منصوب القامة و مدجج بالسلاح.
يقتلك في الغربة هاربا شريدا إن أراد أو يقتلك على سريرك محبوسا قرير البيت لا تقو على مواجهة الناس، يجبرك على الاعتكاف أو الرحيل بينما تبقى عفونة سيرتك تزنخ الهواء و الأثير، و هو هناك يستدفئ في براءة حمل على الجمر.
وحدهم الخفراء …
“و قد بدأ صوته يتهدج و يخفت، ماسحا دمعة تسيح من عينه و هو يقف بصعوبة، لينعكس طوله الفارع على مرآة النهر”
هم حلقة الوصل بين الظالم و المظلوم فلا تستطيع أن تظلمهم كالرعية أو أن تحملهم مغبة الظلم كالحكام.
هم بَينَ بَين هم الواو بين الشيء و نقيضه بين الفاعل و المفعول.
كقطرة الماء العالقة على ورقة التوت “مشيرا إلي الشجرة فوقهم” فلا هي بقت طاهرة في السماء و لا هي تدنست بتراب الأرض.
تشفق على قطرة السماء لأنها ما زالت حبيسة الرباب و المُزن و تتيه على قطرة الأرض لأنها امتزجت بالتراب و تحولت طين، و بقت هي عالقة عالية بلا دنس تبيت علي سرير من ريش نعام -لا تملكه- و تهدهدها الرياح و النسمات إذا واتت.
إذا أرادت سقطت و إذا أرادت تبخرت و صعدت لتبدأ دورتها من جديد وحدها -تعتقد أنها- تمتلك الخيار و القرار.
هم أوتاد على الحواشي و الأطراف لخيام القحبات و صاحبات الرايات الحمر، فلا هم عاهرات مومسات و لا هم طلاب شهوة راغبي سفاح.
أول من تضربه الريح و العواصف إذا هبت و آخر من تلامسه الأجساد البضة العارية إذا تأججت و ترنحت من اللذة.
إذا تراخوا وقع عمود الخيمة السامق على رؤوسهم: هم حماة ضعفه و ساتري عورته يسيطر عليهم بطوله “الهايف” و عملقته الزائفة

مازال جده في حيرة من أمره رامقا عم “بسطان الغفير” بنظرة لوم دفين
– أيوة عاوز أطلع غفير يا جد
صاح مجددا و هو يتجرع آخر رشفه من كوب الشاي ليشعل جريدة نخلة من “الراكية” أمامهم و يعلقها بحبل على منكبه كالبندقية لينفث فمها شررا.
و يهرول في الشوارع و الحارات قد ملك الأرض و ما عليها أصبح أخيرا لا قاتل و لا مقتول أصبح كرباجا لا جلاد و لا مجلود يزعق مجلجلا فقط بلا مجيب
– مين هناااااك؟
و قد تورد وجهه بإبتسامة ما عاد يذكرها و جذوة بندقيته تتشظى فى الفراغ.
صارت عدوى و صنع كل الأطفال مثله فصاروا عشرات من الخفراء يرسم وهج جمر جريدهم من بعيد كواكب و نجوم تتلألأ في الظلام، و تتعانق عشرات الصيحات
– مين هنااااك
– مين هنااااك
انتشى لأنه صاحب الفكرة و ابتهج لأنه رأى حياة تدب في البيت الخراب و صبيته تشاركهم اللعب رغم الثأر.
توشك أن تنطفئ شعلته، نّحاها عن كتفه بجدية مقلدا عم “بسطان” و كأنه سيعمّرها بالطلقات و يعود جريا إلي جده ليشعلها له من جديد و لكنه لم يجد أحدا.
كانوا نياما و كانت النار رمادا تلفظ أنفاسها الأخيرة.
تلاشت من ذاكرته صورته و هو يعلق رجليه في فرع شجرة و يبدأ في الصوصوة حتى الصباح. و انتشل خلسة بندقية عم “بسطان الغفير” و احتضنها بقوة و راح في نوم عميق.

السابق
العاصفة
التالي
قمّةٌ عربيّةٌ

اترك تعليقاً

*