القصة القصيرة

عندما ترتجف الأحلام ..!

جلس على كرسي مهترئ خارج بيته ، والليل ينشر عـباءته الفضفاضة على الحارة ، أشياء كثيرة تتكـلم في صمت من حوله ..
فتح عينيه جيدا ً.. نظر أمامه .. نظر خلفه .. بين رجلـيه.. كأنه يبحث عن شيء ضاع منه في النور وخرج يـفتش عنه في الظلام ..
ضباب خفيف يمـر صامتاً فوق رأسه ، يلفـه من كل الجهات . سكون يطبق على النفس ، يذكي الذكريات ، يخترق الماضي . عامود كهرباء يتيم يتنفس بصعوبة تحت أشعة قمر ساطع ، ينشر أشعته الباهتة إلى أبعد نقطة . حشرات طائرة تنغص عليه خلوته ، ترقص مجاناً للزمن وتحيي سهرتها الماجنة دون أن تحس بوجوده ، عندما تتعب من الرقص تتدفأ من تحت أوراق ذاوية .
الخلوة ممتعة ، تستدعي نشوة عارمة للنفس . طرد كل الأفكار السيئة من ذهنه ، قبرها في أعماق تجاويف دماغه مخافة أن يسقط فريسة لبؤس ذاتي . شيد لنفسه موانئ واسعة للغبطة والسرور، لكن فترة النشوة لم تدم طويلا . وفي غفلة منه ، أتى القـلق حسيساً فـأجج كل هواجسه الحالكة .
ذكرياته غير سارة ، ذكرياته السوداء تلازمه كظله . شد عليه التعب فأغمض عينـيه جيداً ، فانطلقت فرسان أفكاره تبحث عن مستقر لها . بدأ دماغه يشتغل دون رقابة ، يوقظ الأحداث الكامنة منذ سنوات .
غــفا ؛هجم عليه نوم عميق ، وجاءت طوابير من الأحلام المزعجة تستفزه ، تقرأ أنفاسه بكل حرية . الأحلام تحرس الإنسان جيداً وتعينه على الهدوء والسكينة . يفكر بسرعة البرق ، أحداث غامضة تمر تباعاً دون ألوان ، له قدرة نادرة على تذكرها ، كأنها جذوة من نار بقيت زمناً في شعاب دماغه . فجأة تأججت وأضاءت ما حولها، بدأ يفكر أكثر مما يتحدث ، يصغي إلى اللحظات الجميلة ، يقرأ المشاهد بسرعة فائقة ، يضع كل المعاني بين السطور . كل كلماته نبرات ، إشارات ، حركات ، معاني ، ورموز مبهمة …
وجد نفسه في مطبخ واسع لم ير مثـله في حياته . بالغ أهله في ترتيبه وتنظيفه . أوان فاخرة مرتبة على رفوف زجاجية ، كؤوس بلورية ، صحون صينية . وسط المطبخ طاولة مستطيلة عليها أصناف عديدة من المأكولات ، شرائح من اللحم موزعة في أطباق فاخرة .. صحون من الفواكه المتنوعة.. سال لعابه قبل أن تصل يده إلى تفاحة لامعة ، مرر لسانه على شفتيه ، تلمظ وابتلع ما تجمع من ريــق لزج داخل فمه ..
أخذ تفاحة ، تأملها ، أدارها بين أنامله ، وجدها خالية من خدوش الحشرات ومن البقع السوداء ، لم تمسسها ديدان ولم تنقرها طيور، ولم تكويها أشعة الشمس ، تشع لمعانا كلما حركها.. بلهفة زائدة عن الحد، مسحها بكمه ،غـرز فيها أسنانه فغابت نهائياً . انتزع عضة كبيرة فـترك حفرة عميقة .. مضغ ومضغ وهو يتحسس الأشياء بعينه . الأشياء ترقبه في حذر .. رحلة المضغ تستمر، عضة بعد عضة ، لم يبق منها سوى نفاية صغيرة طوح بـها عبر النافذة ..
أخرج كرسياً من تحت الطاولة .. جلس ، مد يده إلى تفاحة أخرى .. فجأة انبعثت قبالته امرأة جميلة ، كأنها تولدت من الطاولة .. بالغت في أناقـتها ، عمرها يناهز العشرين . ترتدي زياً تقليدياً ، تنام على صدرها قلادة ذهبية . أخذه العجب ، نهض مذعوراً ، سقط الكرسي من ورائه .. أشارت عليه بالجلوس .. جلس .. كاد جسمه يخرج من ملابسه .. اشتدت دقات قلبه وزادت عن حدها ، كأنها دقات منتظمة في حائط مجوف من الداخل ..
المرأة تأخذ شريحة اللحم ، تقطعها بالشوكة والسكين ، ترميها في فمها، تحتاط أن لا تمس الشوكة أحمر شفتيها . تمضغ في تأن ، ترسم ابتسامة قاتلة .. بين الحيـن والآخر تكشف عن أسنان بيضاء خالية من أي تسوس..
حدق فـيها ، أخرج عينيه حتى كادت تنفلت منه . بأدب راق ، دفعت له بالصحن . نظر إليه ونظر إليها . عيناه تتنـقـلان بين الصحن والجسد كساعة انفلت ضابطها ..
يأكل بنهم الجائع .. تنظر إليه في استغراب .. بنظرات ذاوية تجرده من ثيابه .. تؤاخذه على سرعـته في المضغ . أخذ الشوكة والسكين ، بدأ عملية التقطيع ، انفلتت الشوكة منه وسقطت على الأرض . ضحكت حـتى بدت نواجذها . ابتسم في تجهم واعتبـر ضحكـتها سخرية واستهزاء . حاول أن يأخذ الشوكة من الأرض ، لكنها رفعت يدها اليمنى تأمره أن لا يفعل .. توقف ويده قريبة من الشوكة ، فرسم انحناءة غريبة كأنه موجود على صورة فوتوغرافية قديمة ..
نظرت إليه في دلال ، أحست أنه يجردها من ثيابها بمخيلته . مذاق نظراتها حلو، حديثها نغم وإنشاد .. جنة ضائعة لم تحرث بعد ..
قامت .. قام بسرعة .. جلست .. جلس في تأن .. ابتسمت .. ابتسم ابتسامة خــرقاء .. مدت يدها إلى يده ، أحس بعاصفة كهربائية تسري في أوصاله .. تخطو في دلال .. مشيتها لذة ، جسمها متعة ،لاحقها بعينيه ، خطا وهو يقاتل اللحظة .. لا يدري أين يتجه ؟
يريد أن يتكلم ، تضع سبابتها عل شفتيه كأنها تقول له : لا تنبس بكلمة.. استيقظت كل أعضائه .. اعتصرته الهواجس .. سرح بمخيلته بعيداً فنسي اللحظة التي تأسره ، فبقي تائهاً بين منعرجات زمن يتلاشى بسرعة ..
غافله الزمن وارتج قلبه . وفي رمشة عـيـن ، تبخرت المرأة واختفت نهائياً كأن مارداً اختطفها .. تأمل ذاتــه ، وجد نفسه وحيداً قرب سرير وردي، يشكو الخواء .. في صمت يحكي قصصه مع الأجساد ، ما بقي في ذهـــنه سوى ملامحها.. جسدها .. قدها الممشوق .. نظراتها القاتـلة .. غدت في ذهنه لغزاً غامضاً ، سراباً يحسبه الظمآن ماء لذيذاً .. كل النساء مسخـن أمامها وما سواها أرض خواء ..
أفاق مذعوراً ، قط يطارد فأراً صغيراً ، تلك الخشخشة أفسدت عليه متعة المتابعة .. لم يعد يذكر شيـئاً..؟ لوى رأسه بين ركبتيه ، وتساءل في نفسه : ترى هل كان السرير حفـرة مظلمة ؟ هل كان قبراً عميقاً ؟ هل كان الثوب الوردي كفـناً ؟ لا يذكر شيئاً ..
هدأت أنفاسه ، بمشقة ابتسم في سره .. تـثاءب بصوت عال ، توقف الصوت في نصف امتداده لما شاهد زوجته واقفة على رأسه تحصي أنفاسه .. استجمع قوته يتصنع عتاباً لها : ما بك يامرأة ..؟ أجابت : أبحث عن رجل … !!.

قاص من المغرب

السابق
حفنة تراب
التالي
متعصب

اترك تعليقاً

*