القصة القصيرة جدا

عندما نطق الحجر

مدينة التشوهات والعاهات تحتفل اليوم بمرور خمسين عاما على أول عاهة ظهرت فيها، تمددت فيما بعد، وتكاثرت إلى أن أصبحت مكونا أساسيا من نسيجها البنيوي، مما جعلها قبلة الأنظار؛ فالهدوء والصمت يكتنفانها، وغدت منتجعا لمن ينشد الاستجمام والترويح عن النفس. لا أحد يتكلم أو يصرخ، صمت مطبق حد الاختناق. كنت الطفرة الوحيدة؛ فأنا الحكاء الثرثار ، الحامل لجينات وراثية خرجت عن المسار العام، وجعلتني منبوذا في عقر داري. ربما لأن أبي كان من محبي القراءة، لم ينج كتاب منه؛ فهو من آخر جيل قبل الاجتياح الكبير، ولذلك بقي سليما معافى. “أم أحمد” الأرملة أثناء مراسم دفن زوجها كانت تحمل في يدها دفترا صغيرا تكتب فيه شكرها لكل من واساها في زوجها عبر وريقات يدسونها في جيبها بسرية تامة وهي ترد عليهم بمثيلاتها. “ثها” أول. عروس في الأسرة، لم تتلق أية تهنئة من أحد؛ فالورق مفقود والحبر أيضا. آخر حديث لي مع والدي لم أنسه حتى هذه اللحظة؛ فقد كان متخوفا من فقدان الورق والحبر، حيث أن الإقبال عليه يزداد يوما بعد يوم في ظل حركة دؤوبة لكم الأفواه. آه يا والدي كم كنت متيقظا وحذرا! أنا ممتن لك جدا ولتلك الجينات التي أورثتني إياها؛ فلولاها لكنت اليوم مثلهم تماما، أحمل كراسا بلا ورق، وقلما بلا حبر وأيضا حنجرة نصبت حبالها مشانق على امتداد الوطن.

السابق
هذيان الفتات
التالي
فرصة

اترك تعليقاً

*