القصة القصيرة

عندما يؤوب العاشقون

ما أثقله حجرا…
ركام يعلو ركاما كهمّ نَوى يجثم على نبض عاشق يخنق خطاه التّائقة إلى النّسيان..
يقلّبون الحجارة.
يدفعون بعضها عن بعض.
يمسحون عن وجه الذّاكرة وعثاء أيّام جائرة..
أجسادهم تهطل عرقا والأفئدة تتكسّر كسوق سنابل في يوم قائظ ، تتناثر حبّات الوجع ويخصوصب أديم الرّوح أوجاعا مجنونة..
تُفلت صيحة متهدّجة من حنجرة عوّاد:” هذا سوار لؤلؤ…”
تندلق عليه نظرات مشدوهة ثمّ تتقافز عائدة إلى محاجرها..
يخيّم صمت تفوح من أعطافه روائح أدخنة كريهة تسكن تلك العيون الحائرة..
ركام الحجارة يتهاوى لينتسج في البطحاء الممتدّة خلفهم طودا من فقد..
في الزّاوية الغربيّة يتعالى نشيج..
يلتفتون.
مريم تندسّ في قوقعة الفقد، تجدل أصابعُها مضطربة ضفائر الدّمية الصّغيرة، تلملم شتات هدهدات ملائكيّة، ترتق بُرد ضحكات مزّقته شظايا انفجار أتون شيطانيّ..
تتسمّر على أبواب لظاها المكتوم أحداقهم. تتوق إلى أن تنزّ بردا وسلاما..
لكن أنّى تُخمد المجامر لهيب الحرائق…؟
ينكقئون إلى مجامرهم بانتثاراتها تتلظّى الحجارات الجاثمة على وجه الأرض تحميه من ندوب قد تشوّهه بها هطائل الجائرين..
يتجرّعون الآهات، يجترّونها نبشا عن بقايا، يتلمّظونها أملا في حلول لا يتزعزع…
تتالت أنّات الظّفر: ذي صورة.. هذا حذاء.. هذان جوربا رضيع ظلّ حلما.. هذه بقايا أُصص خميلة كانت شادية…
ظلّوا يزيحون الرّكام عن الرّكام..
ما عاد وجه الأرض مستورا..
رماد وفحم وروائح دماء تينع غصونها أكثر فأكثر كلّما تشرّبها الأديم..
توارت أنّات أحمد..
تحلّقت حوله العيون تسائله..
__ما لقيتُني……
ندّت عنه آهة برائحة ياسمينة غضّة تحترق..
لفّته جحافل الصّمت.. تهامست:” أنّى يُواسَى التّائه..؟ّ”
ارتبكت خطى الشّمس. توارت خلف سحابة هائمة ترجوها سترا. همهمت السّحابة:” أنّى يستتر بالخواء الضّياء؟”. وشوشت لها الشّمس منكّسة جدائلها:” أترين جدائلي في زحمة الجَور نابضة بضياء..؟! تاهت بوصلة الفجر في محاجرها وجفنُ الصّباحات عانق سباتا شتويّا بلا منبّه إلى نسيم ربيع.. تعبت راحلتي تجوب بيداء الكون تودّع العابرين بلا تذكرة إلى ضفّة الغياب، وكسرت ظهرها قشّةُ تائه عن نبضه، وهو إلى الرُّوح قد آب..”
تلوذان بمغاور الصّمت..
ينكفئ العائدون على أنّاتهم..
تتوه عينا أحمد تسّاءلان عن خفق خطى كانت هنا تضرب نحو محاريب المنى مُشَرنَقة في أفق العلا تنتظر ربيعا..
ينتفض واقفا..
ينفض عنه أغبرة الوجع..
بين الرّكامات وبقاياها خَطا..
عيناه خلف الشّمس تُهيّئان للفرح مضجعا..
“آآآآه…” يتعالى صوته يفتضّ الأنّات النّاشجة..
في صدره تنغرس ريشة..
يستلّ حدّها المسنون.. ببحر في عينيها.. يقرأ:.
“أنا.. هنا أناديك
خلف أجمة الصّمت
أرنو اليك
وُعُودُ الهوى في مقلتيك
ما سئمت الانتظار..
حروفك .. إلى الذّرى تأخذنا
نضاجع الشّمس..
ضياء تخصبنا.. فنمطر
عن عيون السماء نمحو الدجى
و في صقيع الشّتاء.. ربيعا ننثر”
يحتضن الرّيشة المتبلبلة في كفّه تلظّيا بحمّى الوصال.
يكتحل برُكامات العمر الدّامي.
يتأبّط أناه المنبجسة من رحم الغياب.. يُنشد:
“أيا أرضا من نور و نار
و زيتون وزيت
و ياسمين و زعتر.. وغار
مذ عشقتك انا ما اكتفيت
وهبتك الأهل و الرّوح و الدّار
هجرتك كَرها … ما نأيتُ
أنّى لنا من هواك فرار
إليك ارتحال الحرف به ما ارتويتُ
و إن عزّ نبض حرفي عن السّمّار
أيا حضنا فيك ارتميت
هل لي في سواك قرار ؟
ورفرف ممتطيا صهوة الكلمة نحو حرب بلا انتثارات دماء…

زهرة خصخوصي

كاتبة تونسيّة من مواليد 1974، متحصّلة على شهادة الأستاذيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لهاإصدارات قصصيّة ورقيّة في فنّ القصّة القصيرة، تحتفي بالبيان وشعريّة القصّ في منهجها القصصيّ، ناقدة تعتمد آليّات علم التّأويل في قراءاتها النّقديّة للنّصوص، كتاباتها منتثرة في المواقع الإلكترونيّة في الوطن العربي وفرنسا وفي جريدة التّآخي العراقيّة.

السابق
حين بكت الفراشة..
التالي
ألم

اترك تعليقاً

*