القصة القصيرة جدا

عندما يبكي العوسج

غالبا ما أكون متحفظا في حديثي حرصا على الآخر، مع أن هذا الآخر يبدو من كوكب غير الذي أعيش فيه، لكأنه خرج لتوه من جلسة تحشيش، تراه محلقا دوما بأجنحته، وإن سئم منها يطويها ويضعها في جيبه كأنها قطعة غيار مستوردة سهلة الطي؛ ليبدأ احتفالية من نوع آخر. يغرق في شبر من دموعه ويظل يسبح فيها إلى أن تجف مآقيه؛ فأقف مبهورا بقدرته الخارقة على تغيير مزاجه من أقصى السعادة إلى أقصى التعاسة. يبدو وكأن في جعبته مجموعة هائلة من الأكسسوارات يبدلها متى يشاء وبالطريقة التي تحلو له؛ فتراه جبارا حينا وهشا حد الكسر أحيانا أخرى. لا يكتفي بذلك أبدا؛ فهو على استعداد ليقتبس من حزني حزنا ويمهره بتوقيعه. ويسرق من فرحي فرحا يضيفه إلى مجموعته القيمة ليكتمل بذلك وجوده. كنت أظن أنه طفرة غير عادية، ولكنني اليوم تأكدت أنه نسخة مكررة لكل أولئك الذين ألتقيهم في الشارع يكلمون أنفسهم ويبكون، أو يصرخون ويضحكون في آن معا. حتى أنني بت أشك أن أكون من ضمنهم دون أن ألحظ ذلك. سألته مستغلا فرصة هدوء غير مألوفة ألمت به:
– ما رأيك بي؟ أطلق ضحكة ارتجت لها كل الأرجاء وأطرق مليا، متمتما بعبارات لم أفهم منها شيئا، ولكن تهيأ لي أنه يشتمني. قطع شكي باليقين عندما أجابني بكل ثقة:
– أنظر في المرآة لتعرف رأي بكل وضوح فيما يتعلق بك.
بطرف عيني، لمحته في انعكاس لصورتي على زجاج النافذة المقابلة.

السابق
أكتشاف
التالي
عند الحلاق

اترك تعليقاً

*