القصة القصيرة جدا

عندما ينام الجرح

وحْدَكَ تُعيدُ تشكيل العالم حين توغل في عزفكَ,متوحدا بهمسات الفضاء غير ذي بشرٍ..شاردَ الوتر عرفوكَ ’ مُنْعزلَ الخطواتِ تغدو وتروح صامتا..البعض يوصمك بالمعقد والبعض لا يكاد يحس بوجودك..
منذ اعتزلتهم اتخذتَ الأرض وماتنبتُ أهلون, تستيقظ باكرا, تُمَارسُ عشقك على أديم بستانك الصغير, تُحاورُ شجرةً من هنا وتنزعُ الأعشابَ الضارة من هناك وتسقي فدان نعناع …
-الأرض امرأة لاتعرف الخيانة..
مبدأٌ تسلحتَ به مذ غادرتهم مذ نأيْتَ عن مرابع الطفولة وصحبةٍ كنت بهم المزهو..مُذْ تلاشى عطرُ ووجه حيزية..
حيزية حكاية أخرى علمتكَ صداقة العود وألهمتكَ حديث الوتر وأنْسَ المقامات وخلَّفَتْ صهدا لست تنساه أبدا..حيزية شبابيك غُلِّقَتْ وشرفات نأتْ وقصيدة مغزولة بحرف الجوى..
الهروب لغة لايفك طلاسمها إلا من اكتوى بصدمة والصمت رفيق يؤثثُ وقتَكَ..الحزن لوحة وظل يرافقك بل يؤنسك والليل طويل ..
هنا ولدتَ كررها والدك عمْدًا..وهاهنا حنينُه ومهنة الرعي التي سرقتْها منه تلك القرية الممتلئة بكل التناقضات..تذكرُ كلّما عدتم هنا كيف يتغير وجه أبيك وكيف يعلو صوته صائحا يعلن تحرره ويفضح سعادته..
-أمك السبب….
يُصَارِحُكَ ويرْوي لك مأساته أو تغريبته التي غيَّرَتْ حياتَهُ واقتلَعَتْهُ من جذوره..
-النبتة حين تقتلع من جذورها وبيئتها تموت ياولدي…
ورثت عنه الصمت والحديث القليل وحبَّ الأرض و الانعزال’ ورثَْتَ عنه الصبر والإيمان كما ورثت عنه كرهك لتلك المرأة الأنانية التي ولدتك هنا وضيعتك وضيعت ذاك الرجل الصالح.
يزداد الصقيع ..تحسُّ به صفحة من مرآة شكَّلَها بلوره الرقيق جدا..تعزفُ له مسامرا على مقام النهاوند..يتحركُ داخلُك متشوقا ومُفْعما بأحاديث الليل التي تقرؤها وأنت تبتسم..
يقتربُ نورُ سيارة لَمَحْتَها بعيدا..يصل مسامعك صوت المحرك وهو يتوقف ..
-أين أنت ياعمر..؟
يصرخ ُصوتٌ مبحوح ..تتعرف إليه..صديقك في الجامعة ورفيق الأسرار.
-هنا تفضل بالدخول..
تتجاذبان الكثير من الأحاديث ..وحْدَهُ يعرف كيف يجعلك تنهمر سيْلا من الحكايا.
-مبروك تم قبولك في الجامعة
عَرفْتَ أنّه يحمل خبرًا سعيدا..قرأتَ التعيين دون دهشة..حََمَلْتَ عودَك تائها مع تلك الألحان التي صاغها الليل وصاغتها إشراقة لاتتأتَّى إلا باعتناق سِفْرِ الوحدة وغزل الأرض..
مضى الوقت ينساب ..التفت إلى صديقك فوجدته غافيا في دعة ..غبطته فلأول مرة تشعر بهذا الإحساس..اشتد صكيك الجمر وتوهجه..حملت بطانية إضافية لهذا النائم ووضعت المزيد من الحطب..صرختَ صامتا
-من منا ياحطب المحترق؟؟
وعلى احتضار الشمعة الأخيرة رُحْتَ تَغْفُو واضعًا رأسَكَ على يدك اليمنى.. مصلوبا على إيقاعات بعيدة كلما ازداد الصمت ارتفعت تعلن عن ميلادٍ يخاف الصحو ويخاف العيون المحدقة..

السابق
عري
التالي
القراءة الصامتة

اترك تعليقاً

*