القصة القصيرة

عن بعد

..من اهم ما قاله رئيس البوابين، بعد ان انهى تشكيل حكومة الأَقفال : (.. لم يعد ممكنا احتمال الازدحام والفوضى والتخبط، في الشارع العام..( وقدم بالارقام
حجم التكلفة الاقتصادية ، وبالدموع التكلفة الاجتماعية والنفسية.!)، ولاننا، في الحقيقة، لانملك مفتاحا سحريا، كما وعدناكم اثناء الحملة الانتخابية، فالجميع يعرف ان الحملة رقصة حضرة ملتهبة على ايقاع مجنون، لاتستطيع مهما بلغت درجة سخونتها، ان تذيب
صقيع ليل شتاء طويل؛ فما إن تتوقف الاقدام عن الرقص، حتى يتسلل الصقيع الى بنانها.! لهذا يبقى كلام الحملة، كالوحل، للحملة. والآن كلام آخر.! وكي ننهي فوضى الاقفال والمفاتيح، فوضى الدخول والخروج، قررنا تفويت هذا القطاع الناشىء، الى مقاولة متخصصة، وفوضناها مسؤولية تسييره. مما سيدر على خزينة الدولة مبالغ مالية مهمة، ميزانيتنا العامة في امَسّ الحاجة اليها.! وسنسهر، من جانبنا الوفي، على صياغة التشريعات والقوانين اللازمة لذلك، وسنشرك كل الفاعلين المتدخلين في القطاع، من اصحاب نقل وامن وتجار و ” فَرّاشة و مشرملين” الخ ،في ذلك. ولن ننفرد باي قرار، كما عهدتمونا.! وهكذا ستفتتح المقاولة المعنية، مكاتب لها في كل درب وحي وحومة ومدشر..الخ، في إطار سياسة تقريب الاقفال من المواطنين، الامر الذي سيمكننا
من الانتقال، في قفزة نوعية تجسد نموذجنا المحتذى به، الى مرحلة الابواب الالكترونية، المتحكم بها عن بعد. ولن تتحملوا، بعد الآن، عناء حمل المفاتيح ، وهاجس ضياعها وبقاء الباب مشرعا للخطر. وما عليكم
سوى الانضباط لمواعيد فتح الابواب وغلقها، من طرف مكاتب المقاولة المعنية، وسنزودكم بجدول زمني لذلك، سنصوغ مواعيده في تشارك مع كل الفاعلين، وسنأخذ مصالح جميع الفئات المتدخلة في الشارع العام، بما فيها ” الفراشة والمشرملين” وماسحي الاحذية وباعة الديطاي والعاهرات..الخ، وسنفتتح خطا هاتفيا خاصا بمدمني المقاهي والمخدرات..الخ، كما ستزود المقاولة كل باب بيت بآلة كشف الكذب..!
وباستثناء جدول مواعيد العمل، التي لاتقبل تقصيرا او تطويلا او تاجيلا؛ لن يعود مسموحا لكل من هب ودب ان يخرج ويدخل متى شاء، دون مبرر.وهذا الخروج والدخول المضبوط وفق مواعيد قارة، سيجنب ذوي القدرة الشرائية الضعيفة والمستضعفة، وهم كثر والحمد لله، الاحباطات المتنوعة امام واقع جيب شاحب وسط نضارة شارع باذخ باشكال والوان من المعروضات.! وهكذا لن يفتح الباب، امام كل من ليس في جيبه مال، حرصا منا على صحة مواطنينا النفسية والعقلية. ولاني ابن قح للبادية، اعرف ان البغلة إذا توقفت امام ماء او علف، دون ان يُسمح لها بتذوقه على الاقل، ستنْفَقُ لامحالة؛ ونحن، كما عهدتمونا، لانرضى لمواطنينا، ذوي الاعاقات الجيبية المتفاقمة، ان ينفَقوا، كالدواب، اما معروضات مغرية تتمنع على جيوبهم الشحيحة.! ولن يستطيع احد الكذب علينا.. وكل واحد ملزم ان يبسمل حال انفتاح الباب لخروجه، ويحمدل حال انغلاقها بعد دخوله مأواه. وكل من خالف ذلك سيعاقب طبقا للقوانين والقرارات الجاري بها العمل..”
تعالى التصفيق، واشتد الهتاف..ثم تشعب النقاش بين من تساءل عن مواعيد الصلاة، وخصوصا الفجر.؟ ومن قال ساخرا : الآن قوموا النهار الى جانب الليل، وراء ابواب موصدة، مادمتم لن تخرجوا إلا بإذن.! ومن اوغل بعيدا في التساؤل عن جواز ان تنزع المرأة حجابها، امام باب ألكتروني يُتحكم فيه عن بعد.!؟ وكذلك من اوغل في السخرية حد الاستفسار عن امكانية الجِماع عن بعد، وموقف الشرع منه.!؟ بينما تساءل آخرون حول من يتحمل مسؤولية انغلاق الباب على اصبع مثلا، وعن ما إذا كانت هناك غرامة، او تعويض.!؟ في ما حذر آخرون من خطر الارتهان في قبضة الديون، جراء عملية استبدال الابواب العادية بالالكترونية..!
لكن رفيقي في الخربة، كان يتساءل، وهو يوضب فراشه الكرطوني بانتظار ليلة اخرى، عن امكانية الاستفادة من الابواب العادية، عبر اعادة بيعها في سوق النفايات الصلبة.؟ وكان يؤكد، لنفسه اولا، ان هناك عائلات كثيرة ستلقي بابوابها الى المزبلة، لهذا علينا ان نكونا في طليعة المندفعين الى المزابل.!
بينما كنت منصرفا الى شحن جسمي المبترد باشعة شمس الصباح الدافئة؛ وعَبِّ دخان سجارة عثرت على نصفها؛ والتفكير في اي وسيلة او حيلة للحصول على فطور ما، كنت جائعا، وبردانا، ومتخما من تسول اللقمة، بعد كل عودة خائبة من ” الموقوف ” حيث الطلب ضعيف جدا على اليد العاملة في الفلاحة، واستشراء الزبونية والمحسوبية حتى في ” الموقوف”، ونحن غريبان عن هذه المدينة اللعينة، كنت اود مغادرتها، لكن الى اين وكيف..!؟
كان رفيقي مصرا على المكسب المالي الكبير، الذي يمكن ان نجنيه من تطبيق سياسة تقريب الاقفال من المواطنين، إذا كنا سباقين الى جمع الابواب المنتهية الصلاحية، وإعادة بيعها؛ إذا كنا سباقين الى المزابل..!
ومن فرط حماسته، اقترح علي، على غير العادة، ان انتظره في الخربة الى ان يعود، دون ان اثقل دماغي ونفسي بالتفكير في الفطور او الدخان..الخ؛ واشترط علي ان اكون سلس الانقياد، ان اسير وراءه دون شك او خوف، وسنغادر هذه المدينة بعد ذلك، مظفرين.! وكعربون على صدق السريرة، ناولني آخر سجارة بحوزته وقطعة حشيش صغيرة اضافة الى ورقة لفٍّ، ثم ذهب واثقا من فرصة وجب انتهازها..!
لم أدر، بعد ان دخنتُ سجارة الحشيش، كم مرّ على غيابه، حين حضر..! تسمرتُ في إحدى زوايا الخربة المقابلة للشمس، ولم اعد اشعر اني في خربة على اطراف المدينة، صعدتِ الذكريات من صقيع ذاكرتي، الى سطح دماغي كي تتشمس هي ايضا، وطارتْ بي بعيدا، الى قريتي البعيدة. كنتُ اسمع اخوتي يتصايحون، يتشاتمون، يندفعون الى القبضات والهراوات. وارى اخي الاكبر يندفع ، في يده معول، مقسما انه سيقتل كل من اقترب منه، او من الدار، ويصيح الدار داري، انا الذي اصلحها بماله وعرقه، لا انتم.! بينما اخوتي الآخرون يصرون انها دار الوالد، ولكل نصيبه من حق الارث.! اسمع زوجة اخي الاكبر تصيح، الصغار يصرخون، امي تولول على حظها الذي انجب دزينة من المساخيط، اخواتي يبكين..! كنتُ خائفا، حزينا، مدركا ان تلك الدار خربة لاتصلح لاي منا، وان تلك القطعة من الارض والاشجار تمثل ارثا بالكاد يكفي فردا واحدا منا لاعالة عائلة.؟ كنتُ اصغرهم، اضعفهم، فلم استطع ان افعل شيئا، وانا ارى اخوتي يتقاتلون، وامي مغمى عليها وسط عويل اخواتي. ولم استطع ان امنع جسمي من السقوط، وانا ارى سيارة الاسعاف تنقل امي واثنين من اخوتي..!
لكن رفيقي جعل ذكرياتي تطير كسرب حمام مذعور؛ بل انه انقذني منها، فلو تأخر قليلا لوجدني ابكي ذكرى امي التي لم تعد، ولن تعود بعد ان اخذتها سيارة الاسعاف. الصدمة كانت اقوى، اشد، من كل الصدمات السابقة، ومناعة التحمل كانت اضعف، وكان الذهاب بلارجعة، ولم يعد لي عش ارجع اليه، وتهتُ..!
لم يبع رفيقي مذياعه كما ظننتُ، ولم ولن يهمني كيف تحصل على علبة سجائر وخبز وجبن وقطعتا سندويتش، سيان ان كانت ثمار عملية نشل او غيرها.اكتفيت بقطعة سندويتش، واسرعتُ الى لفّ سجارة اخرى، صامتا..!
اقترب مني رفيقي، وضع يده على كتفي، نظر بتركيز في عيني الحزينتين، وقال :
الآن علينا الاسراع لاخذ موقعنا المناسب، بدل هذه الخربة المنحوسة، لجمع اكبر عدد ممكن من الابواب المنتهية الصلاحية..اعرف ، لن يكون الامر يسيرا، نحن غريبان عن هذه المدينة، والازبال للمقربين اولى، لهذا قد نضطر الى خوض معارك شرسة لنيل نصيب من الابواب الصدئة، مما يستوجب منا ان نكونا قلبا واحدا في جسدين، وقبضتين صلبتين في وجه عدو واحد. لاتخف، اتبعني، ولاتخف..! هيّا، هيا…!
لكن هيّا اخرى نطتْ من باب الخربة، حيث كان يتقدم صوبنا رجل امن بلباس مدني، وراءه تقف سيارة للامن، ثم اضاف : انتما من تلك الفئة التي علينا جمعها وراء باب واحد، لانه لايمكننا ان نخصص لكل واحد من افرادها العديدين بابا ينغلق عليه، لهذا سنجمعكم كلكم وراء باب واحد، بآلة تحكم عن بعد، ولن يكون هناك داع لفتحه امامكم كي تخرجوا الى الشارع.! فتفضلوا اذن..!
قفز رفيقي هاربا، وقفزتُ وراءه. رايتُ فارا يركض الى مجرور للصرف الصحي، فركضتُ وراءه…!

السابق
صبابة
التالي
سؤال

اترك تعليقاً

*