القصة القصيرة

عود القرفة

كوب قهوتي السوداء ، مشنوق إلى السماء ،أقذف فيه قطعة سكر ، تعلن العصيان ، تتمنع على الذوبان ، تتحدى الماء ، وتأبى الهبوط ! يمتص منه الفراغ ، أعمدة دخان ، لا يخلو من رذاذ لذيذ ، و من غرابة . رغوة كزبد البحر ، تعمم هامة الكأس ، تمارس لعبة التلاشي : برودة الموت تحل به ، و تغادره الحرارة…
على مائدة مجاورة ، جريدة ، قصت منها شبكة كلمات متقاطعة ، ومسهمة لصوص الجرائد ، يفسدونها، يقصون ، يسرقون ، ويتسللون دون ان يشعر النادل ، أتصفح عناوينها من بعيد دون أن آخذها ، ليست لي رغبة في القراءة ، كل ما فيها يسد النفس ويبعث على الغثيان : دمار ، سرقة ، قتل ، حروب ،انتحار، إعلانات ، إشهارات ، حمى العصر ترقص رقصة الجنون ،تمارس هذيان العصر !
أحوّل عيني اليمنى ، من على الجريدة ، وأحطها على الكأس، اليسرى ، تراقب حركة الزقاق، أرى أحذية ، سوداء براقة، نعالا متسخة ، صنادل ممزقة ، أقداما حافية ،فوضى من الحوافر البشرية تسير في اتجاهات مختلفة ، أشعرتني بدوار حد الاستفراغ
طنين يكاد يخرم طبلة أذني ، اعتقدته أزيز طائرة بعيدة ، نحلة سوداء كبيرة شاردة ،تغازل كأسي، تقف على حافته، تختبر حلاوته ، تختفي وتعود من حيت أتت ، أتوقع هجوم أسراب ، وجحافل من بنات جنسها تفسد على جلستي بعد لحظات ، فلم تكن سوى مستطلعة.
الدخان بدأ يخبو ، في فوهة البركان ، تهدأ الحمم وتستكين ، ذبابة كبيرة : خافية غراب اسحم ، زجاجية الجناحين ، تستقر فوق ، الكوب ، قريبا جدا من القهوة ، تنظف جناحيها،تمددهما ،حركة بهلوانية ،تتخلص من قذارة المزابل ، عيناها سوداوان كبيرتان ، اشبه بمرآة مقلوبة ، هزجة تحك ذراعها بذراعها ، تترنح غردة كشارب مترنم ، تتحرش برغوة قهوتي ، وتقترب منها رويدا رويدا ، تجهل خطر عمق البركان ، ما زال يقدف بعض الحمم ، وهواؤه يلفح بقوة ، لصقت أرجلها ببلل القهوة اللزج ، خلصت الأولى ، غاصت الثانية، عاودت الكرة ،غاصت الأرجل ، رفرف الزجاج ، بكل قوة، بدون فائدة ، سائل القهوة ، صلب كالإسفلت ، يمتص المسكينة شيئا فشيئا : رمال متحركة ،مصاصة ، و هي لا حول لها ، ولا قوة ، علقت الذبابة !
يرقة ضميري تتحرك في تلافيف دماغي :
– أنقذها ،أنقذها ،حركة بسيطة منك ، وتكون خارج الكوب وتعيش !
نهرت اليرقة :
-ضعي اللسان في الحنك ،ما قلت شيئا وما سمعت شيئا ،هل يمكن أن أغير ناموس الطبيعة ؟ صراع البقاء ، الخلاص أو الموت ، جدلية هذا الصراع .
كرة بلورية كبيرة ،ترتطم بالمائدة وتتكسر شظايا ، تحدث فرقعة قوية ،تنتشلني من غفوتي ، تعقبها بلورة أخرى ، وتنهمر كرات البلور، أنها عاصفة البرد ، تهيم حوافر البشر في كل الاتجاهات ، تبحت عن ملاذ آمن : البَرد يكسر الجماجم، تقذفه مردة النار من السماء ، تزدحم أبواب الدكاكين ، وتغص المحلات التجارية ، بمختلف الأجساد البشرية ، تشتد عاصفة البَرد ، يتكسر بقوة فوق غطاء الرصيف القصديري ، يحدث صوتا أشبه بقرع طبول في أدغال إفريقية !
يقترب من مائدتي ، بحذر شديد : يموت خوفا من النادل ، أصبح قريبا جدا مني ، نبهني أحد رواد المقهى :
-يا أخ ، انتبه ، هذا الأحمق ، يسرق أكواب القهوة ، يبتلع كل ما يجده أمامه
شكرته باتسامة صفراء اقتلعتها ، مني اقتلاعا ، وتظاهرت بعدم الاهتمام ، دنا المسكين ، وأصبحت همهماته أكثر وضوحا ، أسمعها ، وإن لم أفهمها ، يخط على الرصيف بقضيب حديد :
– حبيبات الموز .. لا حبيبات اللوز ، تنتشر هنا ، هناك ،في كل مكان، تتحرك تجر قفطانها ، تشد تلابيبه ، تكسر الحبيبات بقدميها الجميلتين : تراخ ،،،،،تراخ،،،،،،تراخ،،،،!
الحسناء ، تتأفف في غنج مصطنع :
-يا إلهي أدمى قدميها عود القرفة .. عود القرفة لا يدمي إلا اقدام الحسناوات !
يغوص في نوبة ضحك يثير حفيظة النادل :
كخ….كخ….كخ….كخ….أما نحن ما يدمي أقدامنا إلا الحجر وجذوع الأشجار ، أما عود القرفة لو وجدناه لابتلعناه ! ..كخ…..كخ…..كخ….كخ…
ضحك مجنون ممزوج بالسعال ، وضع يديه على بطنه وراح يكح ويسعل وأنا اتظاهر بعدم الانتباه ،اثارت فوضاه ، انتباه النادل ، أخذ عصا من الداخل ، وجاء يهدده بالطرد قلت له :
-يا أخي اتركه يحتمي من عاصفة البَرد ، أتدفعه إلى الموت ؟ إنه بشر ، دعه على الأقل حتى تنتهي العاصفة .
حدق النادل في وجهي ، وبالغ في التحديق ، وتمتم قائلا :
-إنك لا تعرف هذه الفصيلة من الكائنات ، إنهم يزعجون الناس ، يخافون ولا يخجلون ، وابتلعه باب المقهى .
غاص من جديد في الهلوسات ، يمارس لعبة جنونه ، وقضيب حديد ، يخط أشياءه الغريبة على الرصيف والضحكات الهستيرية لاتفارق محياه المتخن بالجراح :
– الشحم أشبه بكتل السحاب هناك في السماء ، اللحم كالمطاط أو جذوع الأشجار ههههههه لكن من يأكله ..هم يأكلونه أما نحن فنحارب القمل..قالوا لنا أن اللحم من أسباب انتشاره !
تراخ ….تراخ …..حبيبات اللوز صلبة ، تتكسر تحت أقدامها ، تمر ، تتضوع ، منها رائحة المسك .. تدغدغ بشعيراتها وجهي : كخ.كخ..كخ. أنفاسها تكاد تعانق أنفاسي إني أكاد أشتمها إنها هي..هي ..هي !
وينخرط المسكين في نوبة نحيب ،دون دموع لقد غاضت وهجرت مآقيه ،…
– من هي يا هذا !
ناداه أحد رواد المقهى . قطع نحيبه :
– هي هي ، مرت من هنا كسرت حبيبات اللوز ، عود القرفة أدمى قدمها ، فرحلت …رحلت …نعم رحلت إلى الأبد !
لملم ذاته ، وبحركة خاطفة أفرغ كوب قهوتي في جوفه ، وكانت الذبابة لا زالت عالقة في لزوجة القهوة !
وابتلعته أدغال الاجساد الادمية ، وغاب في عاصفة البَرد .!!!

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
عابرة .. عابرة!
التالي
سقوط

اترك تعليقاً

*