القصة القصيرة جدا

عَوَالِمٌ

عوالم للكاتب منجي بن خليفة

كلُّ مَنْ يعرفُنِي يصِفُني بأنَّنِي مُسالمٌ، أمْشِي بهدوءٍ، أتَكلَّمُ بهدوءٍ، آكُلُ بهدوءٍ …الظلمُ في الحياةِ يُخِيفُني، يخنُقُنِي، يُثيرُ عاصِفَةَ غبارٍ في روحِي، أفُرُّ إليَّ، أنْزَوِي في انتظارِ هدوء العاصفةِ، بعد الهدوءِ أتفقَّدُ داخِلِي، أجدُ أشياءً تكسَّرَتْ، أشياءً تَزَحْزَحَتْ، أشياءً شَوّهَهَا الغُبارُ .. أنظِّفُ المكانَ بدموعٍ خبّأتْها العيونُ، فَهْيَ أغْلَى ما لدَّيَّ. كثرتْ العواصِفُ، وماءُ العينِ جفَّ. قرَّرْتُ الهروبَ إلى عوالمٍ جديدةٍ.
في الغابِ حياةٌ طاهِرَةٌ، نقيّةٌ، تعلّمْنا في الصغرِ: ليسَ في الغاباتِ حزنٌ، وبها ألحانٌ شجيَّةٌ. حملتُ الزادَ، وارتَمَيْتُ بين أحضانِ الأشجارِ الوارِفَةِ ،والممراتِ المُعْشَوْشِبَةِ. سُمْفُونِيَّة الطيُورِ، والضفادعِ، وحفيفِ الأغصانِ، أضْفَتْ للمكانِ قُدُسِيّةً. لكنَّ عاصفةً أثارَتْ في الروحِ غُبَارًا، رأيْتُ شِبْلًا يصْطادُ خُشَيْشَا، ولحنُ الكروانِ إنْكَتَمَ بين مخالبِ نسرٍ، رأيت دماءً، و أشلاءً، وبقايَا من هياكلٍ كانتْ بالأمسِ القريبِ لها في الغابِ حياةٌ. رمَيْتُ ما بقَى من زادٍ، عُدْتُ أبحثُ عن عَالَمِ ليسَ فيه ظلمٌ و دماءٌ.
لم يعدْ لي إلاّ عالمًا لا تراهُ العينُ ولا تلامِسُهُ اليدانِ، عالمٌ في الكونِ يَحْيَ معنا، واختفَى بصِغَرِهِ في كلِّ شيْءٍ. اشتريتُ مجهرًا، أخذتُ عيّنات من ترابٍ، ومياهٍ.. رأيتُ عَالَمًا من كائنات تنبُضُ فيه الحياةُ، الكلُّ فيه يتحركُ، نشاطَهم لا يتوقَّفُ، ليس فيهم ظالمٌ أو مستبِدٌ، ليس فيهم قاتلٌ أو معتدِي، إنَّهُ عالَمُ سلام و أمان.
مرِضْتُ قال لي الطبيبُ: تقولُ تحالِيلُكَ، وقَعَ عليك اعتداءٌ من كائنات مجهَرِيّةٍ، خرجتُ و أنا أردِّدُ: اعتداءٌ !! حتى أنتم يا سكّانَ عالم السلامِ، حتى أنتم يا سكّان عالم السلامِ.

السابق
عاق
التالي
نتائج مسابقة القصة القصيرة جدا العدد (1)

اترك تعليقاً

*