القصة القصيرة

غالباً الأقدار تختار

أخذت تتحدث ليّ .. تهزي .. تهرف بما لا تعرف .. تهلوس بكلمات غير مفهومةٍ .. وهي ترنوا إليّ بنظراتٍ غامضةٍ .. تشبه علامة استفهام كبيرة وكنت أستمع لها باهتمام بالغ .. وأنا أحاول جاهداً .. أن افهم سر غموضها أفك شفرتها .. باحثاً عن معني لما تقوله .. ولكن هيهات دون جدوى …. ارتبطت بها قدراً .. وغالباً الأقدار تختار لنا .. أشياء كثيرةٍ وبدون رغبةٍ منا أو اختيار.. ثم نكتشف في النهاية ..بان هذا الذي كنا نبحث عنه ونريده بيد أني كنت أشعر بان بيننا مسافات بعيدة .. وحدود , وفواصل لا نهائية وكثيراً ما كنت أبدي لها ذلك .. تلميحاً .. وربما تصريحاً .. أما هي فكانت تتعجب من سؤالي الذي كنت دائماً أطرحه عليها , وألح به ..
ــ ” لماذا اختارتني أنا بالذات .؟! ” .. أو بمعني أخر .. ” لماذا وافقت علي الارتباط بيّ .. ” ؟. .. فلا تجيب الا بكلمة واحدة .. ” القسمة والنصيب ” وأخيراً أقنعنا أنفسنا بان الحب الصادق .. قد يأتي مع الأيام .. ثم تعاهدنا واتفقنا علي ذلك .. ومع ذلك كنت أتيها وفي النفس منها حاجة …. ” كل عالمها الصغيرة.. أسرتها.. البيت .. المدرسة .. الكتب.. وأنا وفقط .. هي انسانة طيبة وخام ..لا تعرف عن , أو في الحياة شيئاً .. كانت وباختصار ورقة بيضاء ” .. وكان يسعدني ذلك .. وكان يسعدني أكثر عندما كانت تأكد ليّ .. في كل لقاء بيننا هذا الأمر, علي انفراد.. ثم تهمس في أذني …” أنها لم تكن تعرف أحداً .. من قبل أن ادق علي بابها … وبأني أول أنسان يقتحم عالمها الصغير .. ويدخل حياتها بقوة ….. أنظر إليها وأطيل النظر .. أتأملها .. أتفرسها بدقةٍ , وحب .. وتمضي ساعات وساعات سريعة جداً .. وكأنها ثواني معدودةٍ .. وكنا نحزن عندما نفترق .. أو نبعد عن بعض لبعض الوقت .. لكن كان عزائنا الوحيد .. بأن الذي ربط بيننا سيجمعنا مرة ثانية.. وكنت أعد الايام والليالي للقائها , غير أنه كان هناك شعور غريب وغامض .. يداخلني عندما أتركها وأنصرف أشبه ما يكون بصراع نفسي.. بين قوتين متضاربتين .. مد وجزر.. حركة وسكون .. لهفة ولا مبالاة .. وربما يكون غير ذلك .. لكن لا أدري ما هو بالضبط .. ذلك الإحساس كان يأتيني في اليوم الذي سوف ألقاها فيه … وكثيراً ما كنت أفكر في عدم الذهاب اليها .. ولكن كنت أنساق تحت تأثير من نوع ما .. وبقوةٍ خرافيةٍ هائلة تدفعني إليها .. وتحرك قدماي سريعاٍ نحوها .. ربما يكون هذا هو الحب .. أو قدري المبرم , المبهم .. أو ربما يكون نوعاٍ من الاحتياج .. إلي امرأةٍ جديدةٍ .. تدخل حياتي التي صارة كأرضٍ جرداء قاحلةٍ .. تملأها الأشواك من كل ناحية … فلا أفيق الا وهي واقفة في انتظاري .. تنظر إلي من الشباك .. وقد رسمت علي شفتيها ابتسامة رقيقةٍ .. جذابةٍ .. وفي عينيها نظرة فاترة .. وقد بدأ عليه شيء من الخوف والارتباك اللذيذ .. ليذيد في جمالها ..ويضيف إلي رصيدها بداخلي وحين تلمحني .. تضطرب فرائصها .. وتختفي .. أدخل .. ألتهم السلم في خطوتين أو ثلاث لا أذكر.. أصعد.. أجلس .. أنتظرها تأتي إليّ.. وأنا قاعد علي الأريكة.. أعدُ نفسي .. استف أفكاري , كلماتي .. أرتب هندامي.. وأهيئ نفسي , روحي ايضاً .ز للقائها المنتظر .. تدخل بعدما تكون قد تهيئت لاستقبالي .. يتركنا الجميع وينصرفوا غير بعيدٍ عنا ..أشعر بعيونهم وهي تتلصص علينا .. من حين لأخر ..وأذانهم قد صارت لا دار لصق علي الحائط .. لكني كنت لا أهتم لذلك .. أتنحنح .. وأبدأ في الحديث .. أحكي لها عن حياتي ..أسرتي .. عملي المفضل .. حاضري وماضيّ .. وما أحب وما أكره .. و… و … و…
وكنت أأكد لها في كل مرةٍ .. أنني أنسان مختلف تماماً عن كل البشر .. فأنا غريب الأطوار .. متقلب الأمزجة .. هوائي .. لدي طموحات بحجم العالم .. وأحلام تفوق الخيال والوصف … ولكنها مستحيلة المنال .. وبأني ذو أمزجة متباينة متغايرة .. ولدي رغبة ملحة في تغير العالم من حولي الذي ملئ بالغش .. والنفاق .. والأقنعة المزيفة .. ليعود العالم كما كان جميلاً .. ومليئاً بالحب والسعادة ….
وكانت تستمع إلي باهتمام بالغ وحب شديد .. وفي عينيها بريق كالسحر وعلي شفتيها ابتسامة فاترةٍ.. وحين أتعب من الكلام..أتوقف قليلا لأستريح ولألتقط أنفاسي .. وأجفف عرقي الخارط علي وجهي .. فتسألني بذكاء .. وبراءة الأطفال بعينيها .. ” لماذا توقفت عن الكلام ” ” فأخبرها بأني تعبت وسئمت من الكلام ومن كل شيء.. ولا أجد ما يقال غير الصمت .. واستحالة السؤال …………
فكثيراً ما كنت أطلب منها .. أن تحدثني عن نفسها .. فتهرب وتختلق ليّ الأعذار .. وتتعلل بأنها ليست خبيرة بعلم الكلام .. وليست جريئة مثلي .. ولا فصيحة .. وبأنها لا تمتلك البراعة في التعبير … واللباقة التي امتلكها انا ــ علي حد زعمها ــ حتى تتكلم وتعبر لي عما يجول في خاطرها وما بداخلها .. وفي النهاية تعتذر … موحية ليّ بأن لديها كلام كثير جداً … سيخرج في حينه …. ؟؟!!….
وتتوالي القاءات بيننا .. وفي كل لقاء اكتشف فيها شيئاً جميل .. لا ولم ولن اجده في أي أمرأه أخري ..صادفتها في حياتي.. وأشعر بأن الهوة المتسعة بيننا قد اقتربت وارتابت .. وبأن الاختلاف الكبير الذي كان يصل أحياناً إلي التصادم قد ألتقي في نقطةٍ اتفاق .. وبأن الأمور التي صارت بلا عودة ثبتت … والمسافات التي حاولت جهدي … أن أقربها قد اقتربت …. وكأن الحصون التي حاولت جهدي أن اهدمها …. قد انهدمت بعدما كانت قلاعاً منيعة محصنة … قد اندكت تحت اقدام القدر .. ثم أعود إلي بيتي … أدخل غرفتي الصغيرة … اغلق الباب عليّ .. أوقد المصباح …أفتح النافذة أطل علي الليل.. والقمر والنجوم .. أفكر فيها .. أتخيلها .. تجلس بجواري أحدثها .. وتحدثني … ألاعبها وتلاعبني .. واظل هكذا حتى الصباح .. ثم أنام لأحلم بيها أيضاً .. يأتيني طيفها في المنام …. ..

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
رحيل
التالي
مُصَاهَرَةٌ

اترك تعليقاً

*