القصة القصيرة

غبار القصائد

في ساحة الميدان رأيته يحثّ الخطى إلى شارعه، أسطورة علت صهوة القوافي، لم يمسَسْها كدر، تتبعه خيول من كبرياء، تظلّل سَيرَهُ أسراب السمو والبهاء، يهزّني طرب اللقاء، حسبي دقائق معدودات؛ لأبحر في عوالم الصور والخيال، عوالم تناطح الغيوم، تلكزها، فتشدو مطراً من كلمات، تتلو سورة المجد رعداً في مواكب الكلام. أمضي قدماً خلفه، لعلّي أدرك ظلّه قبل أن يختفي بين الباعة المتجولين، باعة أكل الرصيف أعمارهم، طاعنة وجوههم بالشقاء، أيديهم تلوّح له سلاماً، وقبل أن أجهّز أوراقي وأهيّأ كاميرتي، سمعته يذمّ الدنيا ملتاعاً،
لَحا اللهُ الدنيا مُناخاً لِراكبٍ … فَكلُّ بعيدِ الهمِّ فِيها مُعَذَّبُ
كان الوقت صباحاً، أنثر النداء خلفه:
– أبا محسّد..
– نعم يا ولدي.
– أريد أن أقطف وردة من بستانك.
يبتسم، يطوّقني بندى السؤال:
– ألا يكفيك عطرها؟
– بلى، ولكن أريد أن أفخر بها.
عبرنا مقهى الزهاوي سوية، نقلّب صفحات مدائن الشعر، مدائن قضمتها الخرائب، توقف فجأة، أراه محدّقاً في لوحة تعلو باب المقهى:
– أ ترى تلك الندب؟. تلك أسماء أهيل التراب على مربدها.
– سيدي دعنا نستريح هنا قليلاً قبل أن تلتقي مريديك.
– أين؟
– في مقهى( حسن عجمي ). هنا يا سيدي، تتجلى أنفاس الشعراء والكتاب وعشاق الحرف، أماني وملامح أحبة افترشت أرضها قبل أن تزكم أنوفنا رائحة البارود؛ فتفارقنا إلى الأبد، فاملأ جوانحي غبطة وأوراقي جواباً قبل أن ترحل ثانية.
استوى على عرشه كما الطاووس، يقلّب بميمنة الشعر صفحات الكوفة وبغداد والشام، وأخرى لمصر، فتراني معلّقاً بغبار الأسماء والقصائد، ينتصب أمامي سيف الدولة الحمداني وأبو المسك وأبو الفضل بن العميد…سألته:
– لِمَ لم تحفل بشعراء بغداد لمّا نالوا من عرضك وتباروا في هجائك؟
– أتقصد ابن الحجاج والحاتمي وابن سكرة الهاشمي؟
– نعم سيدي الجليل.
– لقد فرغت من إجابتهم بقولي لمن هم أرفع طبقة منهم في الشعراء:
أرى المتشاعرينَ غروا بذمى … ومن ذا يحمد الداء العضالا
ومن يكُ ذا فمٍ مرّ مريض … يجد مراً به الماء الزلالا
أهزّ جذع الفضول، يتساقط صدى الشبهات أحجية نبوة، كان الشاعر مصلوباً على أجنحة الكفر،
– وأيم الحرفِ، إنّي نبي الشعر لا غير.
يداهمني أثر في جبهته، ينتزع ذكرى أليمة، أوصد عليها أبوابه مكرهاً،
– جرت بيني وبين ابن خالويه النحوي مسألة في اللغة، وقد ضعّفت رأيه، فما كان منه إلّا أن يرميني بدواة حبر؛ فكان هذا الجرح، جرح أعلن فراقي عن الأمير. وقتئذ أطلقت صرخة استنكار في حضرته:
يا أعدَلَ النّاسِ إلاّ في مُعامَلَتي … فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَمُ
الماضي يمتدّ بيننا جسراً، الحرف يصهل بين شفتيه متّشحاً بالزهو، يطارد خيل ربات الشعر، عيناه تؤسران المكان، أنفاسه تسكنني، نوارس التفرّد تحوم حول رأسه، قلبه يهفو إلى سوق الورّاقين، الشعراء والكتّاب يمدّون له سهلاً، يصطفّون شوقاً ليكتبوا معلّقة اللقاء.
عند بوابة سوق الوراقين، يستوقفنا رجال من الشرطة، تصفعهم الحيرة لرؤية صاحبي، تتملكهم الدهشة من غرابة زيّه، يوخزني التساؤل:
– إلى أين؟ ومن يكون هذا الغريب؟
– هذا مالئ الدنيا وشاغل الناس.
– أمجنون أنت؟ أرني هويته.
يعتريني الصمت والذهول ممّا يجري، يصيبني الذعر، الأجواء غائمة، أقع في دائرة مشادة كلامية، يورق الغضب في دمي. الضابط الواقف جانباً يؤمر باعتقالنا بتهمة الشغب:
– عجيبٌ أمركم، والله لو تعلم ما قاله الجواهري في حقّه لما اعتقلته.
– وماذا قال؟. كانت كلماته ساخرة.
– تحدّى الموتَ واختزل الزمانا … فتىً لوّى من الزمنِ العنانا
فتىً خبطَ الدُنى والناسَ … وآل أن يكونَهما فكانَ
وقبل أن نساق كالخراف إلى مركز الشرطة، أطلق ضحكة عالية:
– قل كلمتك لقاضي التحقيق، لعلّ الجواهري يكفل خروجكما.
وبعد ثلاثة أيام عصيبة قضيناه في غرفة مظلمة، أُطلق سراحنا لعدم كفاية الأدلة، على أن لا يدخل صاحبي سوق الورّاقين.
ودعته عند رقبة الجسر معتذراً لما جرى، وقبل أن يعبر الجسر ناحية الكرخ، التفت نحوي:
– أوصيك بني، والشعراء، أن تطعم حرفك بهاء الصدق وعظيم المعنى، اجعله وهجاً تهي
م به فراشات الحب والجمال، ولا تخشَ إلّا الله.
كانت قوافي الشعر وبحور الفراهيدي تلهث خلفه شوقاً لنبضات قلبه. في ذلك اللقاء كنت غارقاً في ينبوع الجمال، تداهمني غفوة السحر، كنت تائهاً في كهف بيتين من الشعر، في حروف من ضوء، خُطّت بماء الألق على جيد تمثاله الغافي على شاطئ دجلة:
أنَا الذي نَظَرَ الأعْمَى إلى أدَبي … وَأسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بهِ صَمَمُ
الخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني… وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُ
ربما نلتقي في المرة القادمة في سوق الورّاقين حين تحفّ بنا نهارات تحتضن ضوءاً شاسعاً، يتسع لوهج العاشقين على ضفاف مربدنا.
عبدالكريم الساعدي
25 نوفمبر 07:55 مساءً

السابق
قراءة نقدية في نص “أحلام صغيرة”
التالي
إرهابــي

اترك تعليقاً

*