القصة القصيرة

غرور

أرقام متغيرة، طلوع شمس و غروب باهتان ، و خاتم من معدن لم يصنّف بعد يضيق على الأصبع ..هكذا نظرت إلى العام الذي يسمونه جديدا ، و هكذا استقبلته باستهزاء،هو عندها قديم مقارنة بكل شيء فيها متجدد ، ابتداء من فستانها المطرز بأوهام فضّية تحاكي بداية الشيب قبل وقته ، إلى نظرتها و ابتسامتها..إلى سخريتها من كل ما هو دونها ، ذلك الكبرياء فيها هو سر هالتها ، لا يكفي الجمال وحده، بل يجب أن يرافقه الإحساس به ، والزهو بصولجانه ليصنع الأسطورة، لذلك لم يكفها تغيّر الأرقام ، و إنما تترقب تغيرا كبيرا ،هزة عظمى ، كأن تتوج مثلا ملكة جمال الكون ، ليس لسنة واحدة ، و إنما للأبد ، و عليه هي دائما ساخطة، صعبة الإرضاء .. هه ، قلبك ، آه من قلبك ،هو آخر بيت تلجأ إليه ، ربما لو حدث إعصار مهول ، و اضطرت إليه ، فإنها ستفكرمليا و بجدية في ذلك ، دعها إذن من الآن تنسج مملكتها ، و اقرأ كتابك على مريديك ، و انسها .. نعم انسها ، كما نسيت من قبلها، فستتذكرك أزقة القرى العامرة بأصوات الخلاخل التي تؤدي واجب التمسح على تراب يعشق تلقي التعازي في زمن الهجير ..ستجد من يتشفى فيك ، فليكن، هي لحظات للجمر مكتوبة على جبين كل محب ، الفرق بينك و بينهم أنهم يخفون جمراتهم ، يزوّرونها بمكياج تبدو من خلاله قطعة من اللؤلؤ ، الأفضل لك أن تبكي صادقا من أن تضحك كاذبا ،حذار من مقابلة المرآة بوجه منافق ، ستحتقرك ، و ستتلون في وجهك بكل ألوان الطيف ، و ستبحث عن اللالون و لن تجده إذن أبدا ..
لماذا تتنكّر لي مرآتي في حين تتواطؤ معهم مراياهم و تجاريهم فتريهم ما يشاؤون؟ تبا لها ،كم تؤذيني بصدقها ! المصيبة أن تكون تخونني و تتبرج لغيري في غيابي ، سأجتهد لأتحاشى ضبطها متلبسة ، لأنها لو علمت بشكي فيها، فإنها ستضرب عن الإبحار معي مرة أخرى .
لا يمكن لمرآة نجت من داء النرجسية أن تسعد سيّدها ..ولا يمكن لمرآة لا تجرأ أن ترفع رأسها في وجه نفسها أن تستعير عدسات سيدها لترى بها السحاب الذي ينوي أن يرمي أحماله عليها عند كل غروب..
أدعوك رسميا أن لا تثق في الأشياء التي في جيبك ، فإنك لا تملك منها إلا الادعاء بأنها لك ، هي مستعدة للتملص منك بأدنى ثمن ،و لن تشذ مرآتك عن هذه القاعدة ..ستقول لك : كل نفس ذائقة الغيرة ، لتذرّ الرماد في عينيك ، و ستقول لك أيضا : اعلم بأن الغيرة عين ، و الحب أخرى، فإذا اتحدتا أعطتك الصورة الحقيقية ،و ستصدقها ، و ستقول أيضا : حبك لا يشبه حبهم ، أما غيرتك فهي مثل سيماهم ..و ستقول كلاما كثيرا ، حاول أن لا تأخذه بعين الجد ،لأنها ستغيره لأتفه الأسباب ، اكتف بتسريح خصلات شعرك على أمواجها ، وإياك أن تتزحلق على هذه الامواج ، فإنها ممردة من قوارير ستتكسر على متنها ، و سيلومونك مرتين ..هيا استقبل عامك الجديد و أنت معافى من لسعاتها ، ففي الحياة سموم أخرى ألذ و أبقى ..

قاص و شاعر و كاتب

السابق
ميادينٌ
التالي
تفاخرٌ

اترك تعليقاً

*