القصة القصيرة جدا

غريب الدار

وتمرّ الشمسُ بين أشجار الغابات البعيدة ، فتزيد للمكان بهجةَ دفءِ الضياءِ ، فيغني كلّ طير في الصباح أناشيد لها في القلب معنى ، و مياه النهر تزداد بريقاً ، و زهور الأقحوان تعلن عن قربها وهي بعيدة ، و تعانق قمم تلك الروابي علّها بذاك العناق تزداد قرباً للسماء . و أراكِ في الصباح قادمة من مشرق فيه حنين ، فيه شوق ، فيه ذكرى ، فيه أهل علّموا الدنيا معاني للوفاء ، هم في الأرض جذور ، و إذا مدُّوا فروعاً فاقوا كل نجم في السماء . أنا يا شمس في الغربة وحيدا ، وشريدا ، رغم آلاف من الناس تمرُّ لا أراها ، لا أرى فيها وجوهًا داعبتني في الصبا ، لا أرى فيها وجوهاً علمتني العشق و أصناف الهوى ، لا أرى وجهًا يخاف إذا يومًا مرضتُ ، لا أرى أيدي تمتدّ إليَّ إذا يومًا عثرتُ . ألا أخبرتني يا شمس عن أهلي في مشرقٍ كنتِ فيه منذ حين ؟ فكأنّ في شعاع الشمس صوتًا فيه حزن ، فيه شيء لا يفسر:
ــ يا غريب الدار أهلك لم يعد لهم على الأرض مأمنٌ وسكينة ، شرّدتهم لعنةُ الحرب اللعينة ، هناك كلّ الوجوه حائرة ، خائفة ، وحزينة…يا غريب الدار كان للموت في أهلك أساليب افتراسه ، منهم من مات تحت ركام الدار فلا تسمع له همسًا ، منه من كانت ثلوج الحدود له رمساً ، منهم من رأى في البحر موتا أو نجاة ، أرضك يا سائلي لم تعد تعزف أنغام الحياة …
أعذريني لو زاحمتك يا خنساء في دمع على الخدّ تشرّد ، وفي نص تحرّف :
يذكرني طلوع الشمس أهلي و أذكرهم في كلّ غروب شمس

السابق
استفاقة
التالي
أسطورة

اترك تعليقاً

*