القصة القصيرة

غضب الملكة السَّعلاة

– أجب يا مُرْه بحق طَهَشٍ طهش، طَهْشٍيرَهٍ طهشيرة، طَهْشُوهٍ طهشوة، جاروشَهٍ جاروشة جَنْجَروشَهٍ جنجروشة، حَبْشَرَهٍ حبشرة، أجب يا مره بحق سامٍ سام وبالذى تجلى للجبل فجعله دكا وخر موسى صعقا وبحق الملك الذى تسرع إلى خدمته جبرائيل، أجب الوحا العجل الساعة.
كان الجميع يترقبون في حذر شديد ورعب كاملين، لم يحدث أي جديد، نظر الصابئي إلى تراجيم متعجبا، طأطأ برقان رأسه إيذانا بالانتقال إلى المرحلة التالية، تحدث إلى سفير صاحب المنزل:
– اسمع، اليوم الإثنين، قبل الإثنين القادم يجب أن تجهز لنا ما يلي:
ماء زعفران، ماء ورد، جلد ضبع مع تراب من جحر نفس الضبع، ديك أبيض لم يتزاوج من قبل، طائر نورس حي، أربع بيضات بيضاء لدجاجة تبيض للمرة الأولى، ورق مصنوع من زهرة اللوتس، مقدار من بخور القصبر، ونريد فتاة صغيرة من عائلتك لم تبلغ بعد.
نظر الرجل لهم متعجبا ومستصعبا كل ما قالوه، فحدثه تراجيم بحسم:
– لم نأت من بلادنا لنلهو أو نضيع وقتا، تجتمع فوقنا وحولنا قوى لا قبل لك بها، والحل في يوم الإثنين، والنجاة في استكمال ما بدأناه، وإلا سيحرق كل شبر من أرضك وسيقتل كل روح فيها دم من دمائك، لا تراجع الآن، سنقضي الأسبوع في التقرب وحل الطلاسم ومحاولة فهم العلامات، أغلقوا علينا جناحا مستقلا، لا ترونا ولا نراكم، واللعنة على المتسللين، والموت المترددين، لا يزول الغضب إلا بالقوة، ولا تكون القوة مع أهل القوة، للنار باب، وللجحيم أبواب، ومابيننا وبينهم باب لا يفتح إلا بإذن.
دخلوا دون حديث وعلى رأسهم علامات مفزعة إلى الجناح الذي أعده أهل القرية لهم.
بدأت المداولات بين كبار القرية وتوزعت الأدوار، جمعوا من بعضهم من المال ما يكفي لاستكمال الطلبات، سافر أحدهم إلى بلد توجد فيه الضباع ، بينما توزع آخرون في البلاد حتى أحضروا المطلوب ، اجتمعوا جميعا بعد منتصف ليل الأحد، أصبحت أولى ساعة في ليلة الإثنين، خرج الثلاثة للمرة الأولى، كانت علامات الإعياء بادية عليهم جلسوا دائرة حول حجر كبير طلبوه من قبل. مزج برقان ماء الورد مع ماء الزعفران ثم أخذ منه مدادا في قلم حبر فارغ وأخذ بالكتابة على الورق المصنوع من اللوتس، بينما قام الصابئيْ بتجهيز جلد الضبع ووضع به تراب جحره ثم الورقة التي كتبها برقان، في نفس الوقت كان تراجيم يفتح صدر طائر النورس ويخرج قلبه وهو على قيد الحياة ثم يقطعه إلى ثلاثة أجزاء بأسنانه ويوزع على الصابئي وبرقان، لاك كل منهم قطعته ثم وضعها في جلد الضبع وربطوه جيدا، أحضروا الديك الأبيض ووضعوا الجلد في عنقه وثلاثتهم يرددون:
– الرَّحْمَنِ الرَّحِيم يارؤوف ياعطوف أجب ياجبرائيل عليك السلا م أنت وخدامك أبيض بحق الرحمن الرحيم وبحق الرؤوف العطوف وبحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبحرمه الملائكة الموكلين بقوائم العرش هوزح.
اهتزت الأرض تحتهم، أو هكذا تخيلوا، ظهرت زعابيب مفاجئة تلتها أصوات صراخ جميع الحيوانات الموجودة في المنطقة، الديك متجمد كأنه ميت، ثم سمعوا صوتا قادما من خلف ظل كبير ظهر فجأة وسط البخور القصبري الذي أشعله برقان:
– من يدعو الملك وماذا يريد.
وسط سماع دقات القلوب المرتعبة تحدث تراجيم:
– الملك الأبيض الطيب العظيم، نرجوك أن تفك طلاسم الشر وترفع أقدام القوة الخفية وتكشف المستور.
– الشر أكبر منكم، والليل سيطول فوق أيامكم، والمرصود كثير، والراصد عظام أكلتها النيران منذ زمن الظلام، والحارس قد أصبح كتلة من غضب، والغضب شر، والشر كبير.
– لكنك الملك الثالث، وما بين الملوك أسرار تفوق الليل والنهار.
– الملك الدلهاب يحرس الماء، والراصد والمرصود في الماء، والمطلوب فوقكم وتحتكم، حددوا المكان، واحذروا النار والماء، الطهارة هي المفتاح، والكلمة سهم سيغلق الزمان والمكان، الحذر الحذر. حولكم عيون ترصد، تأكل الأرواح وتحب الدماء، لو ضاع الطريق ستظهر لكم، ويرصد العيون عيون حمراء، الخطر حولكم، وحول الخطر أخطار، حان الوقت، ولا سبيل للتراجع.
اختفى الصوت مع اختفاء الظلال.
فوجئ الجميع بالديك يترنح بشدة ثم يرفرف بجناحيه ويكاد يطير من على الأرض والأعجب أن البيضات الأربع ترصصن خلفه وكأنهن جنود تتبع قائدها، دارت معا في الإتجاهات الأربع ثم توجه الديك ناحية منزل قديم من دورين قرب الساحة التي تجمعوا فيها حتى وصل إلى الباب ثم أخذ يضرب عليه بمخالبه في جنون وهو يصيح صياحا متواصلا، صاح برقان:
– من صاحب البيت؟
أجاب رجل متوسط العمر وهو في قمة الرعب:
– أنا.
– يا رجب، لقد نقضت العهد، وأغضبت الراصد والمرصود، وضعت القرية كلها على حافة الجحيم. استخدمت تعاويذ شيطانية للبحث عن السر القديم فتسببت في صدامات بين قوى لا قبل لأحد بها، منزلك الآن ساحة قتال، وقد حصلنا على هدنة لإنقاذ الموقف.
أكمل تراجيم:
– كلكم هنا أقارب كما علمنا، دمكم واحد، نريد الفتاة الصغيرة المختارة.
اقتربت الفتاة وهي في قمة الرعب، لم تكمل التاسعة من عمرها، حجمها صغير وعيونها جاحظة وخلفها أم منتحبة، أمسك بها الصابئي:
– مصير قريتك وأسرتك في يدك، ستدخلين في هدوء، ستخترقين زمنا وستتجاوزين حجبا، ستجدين سردابا بعد الباب، انزلي فيه في هدوء، سأعطيك شمعة، كلما نزلت درجة ستسمعين أصواتا كثيرة، لا تخافي ولا تترددي، في نهاية السرداب ستجدين غرفة مظلمة، ستغلق الشمعة فجأة، لا تصرخي أبدا، ستنير الغرفة بعد ذلك وسنستطيع الوصول إليك لأننا سنرى النور من هنا، لو فعلتي ذلك سيتوقف الشر وستصبحون أغنياء جدا، لو نطقت كلمة واحدة ستختفين للأبد وستصيب اللعنة قريتك لخمسة أجيال.
لم تستوعب الفتاة أيا مما قال سوى تأكيده على ألا تتحدث أبدا.
تحركت الفتاة بعد أن أعطاها الصابئي الشمعة وجسدها كله يرتجف، وصلت إلى الباب الذي كان مغلقا بإحكام ففتح من تلقاء نفسه، دخلت وظل الباب مفتوحا، سارت قليلا حتى اختفت في الظلام.
جلسوا ينتظرون حتى مر اليوم كله ودخل الغروب التالي، تعالت الهمهمات وسقط البعض من التعب، لكن الغريب أن برقان كانت تظهر عليه علامات الإرتياح كلما مر الوقت وكان الصابئي منكفئا على تعاويذه، وتراجيم يكتب على ما تبقى من ورق اللوتس حينا وحينا يشارك الصابئي تعاويذه. فجأة، سمعوا دوي صرخة قوية ثم أغلق باب المنزل بعنف، أسرع رجب ووالدي الصغيرة في محاولة فتحه فلم يستطيعوا، أخذت الأم في النحيب وأسرع الرجال لمحاصرة الثلاثة الذين يعيشون في عالمهم، بغضب بالغ صعد تراجيم على الحجر الكبير وصاح في الجميع:
– الصمت الصمت أيها الأغبياء، لقد تحقق المحظور وانهار الجسر الواصل بين الحجب الخفية، لقد حذرناكم، وحذرنا جميعا الملك مره، لو حاولنا الدخول عنوة سيختفي الراصد والمرصود مائة عام
صاح رجب:
– لا نريد شيئا الآن، أنقذونا من اللعنة وأعيدوا لنا ابنتنا.
– ثلاثة أيام، لكن مع عودتها سيفتح عليكم باب آخر لا نعلم ما سيأتي منه، لكنه بالتأكيد شر أكبر منكم جميعا.
دخل الثلاثة إلى مكانهم مرة أخرى، وظلت القرية لثلاثة أيام في حالة ترقب ورعب، حتى كان يوم الجمعة، خرج الصابئي وهو في حالة يرثى لها، ثم خلفه برقان وتراجيم الذي بدا في حالة غضب عارم ثم صرخ فيهم:
– الفتاة فوق سطح المنزل المرصود، والباب قد فتح، ترقبوا اليوم الغضب ممن أقلقنا راحتهم ونقضنا عهودهم، ستأتيكم في ثوب مشتعل، ووهي ترقبكم الآن.
أسرع شباب القرية نحو المنزل فوجدوا الباب مفتوحا، صعدوا إلى السطح فوجدوا الصغيرة نائمة ولم يصبها خدش واحد، أيقظوها، اكتشفوا أنها فقدت النطق، نزلوا مسرعين على صوت صراخ متواصل، خرجوا تباعا من باب المنزل على ساحة القرية فوجدوا مشهدا مرعبا، عدد كبير من القطط يقف في صف مقابل وكأنهم جنود يستعدون للحرب، ثم فتحت الصفوف لتظهر من خلفهم ظلال متراكمة حجبت ضوء الشمس، ظهرت وسط الضباب كالشعلة الملتهبة، عظيمة الطول والعرض، ظهرت ملامحها أخيرا، أنياب تقطر دما وعيون تشع غضبا، صرخ تراجيم:
– الملكة السعلاة؟ أي شر حل بكم.
أشارت بإصبع مستدق طول نحو رجب، قبل أن يحاول الهرب كان يقترب منها دون أن تتحرك أقدامه. انقضت عليه وهو مسلوب الإرادة على مرأى ومسمع من الجميع، تسلل برقان خارجا وبدأ في قراءة تعاويذ متعددة. صم صمت نواء القطط الآذان، حركت جسد رجب في الهواء ولعبت به كما تفعل القطط مع الفئران حتى تهشمت عظامه، ثم غرزت أنيابها البرونزية في جسده، وبينما هي مندمجة في نهش الجسد سمع الجميع صوتا قادما من بعيد، ابتسم برقان، توقفت السعلاة، اختفت القطط، ظهر من بعيد أثر لغبار، ثم توقف كل شيئ للحظات، انفض الضباب مع الغبار، ظهرت في حدود القرية عيون حمراء متراصة في نظام سهمي، صرخت السعلاة وهي تنظر لبرقان متوعدة، حاولت الهرب، دوى صوت عواء الذئب القائد فأحاطت بها الذئاب من كل جانب، هرب أهل القرية كل إلى منزله، بينما استمر تراجيم والصابئي مع برقان في مراقبة المشهد العنيف، انقضت الذئاب عليها وهي تصرخ متوعدة:
– سيفتح عليكم باب جديد، سيخترق حجبكم غضب الجحيم، اللعنة على من يفتح الأبواب بدون إذن أو حساب.
اختفت في حربها الأبدية.

السابق
حية القمامة
التالي
يأس

اترك تعليقاً

*