القصة القصيرة

غليمة ذات الكيس الضخم

11787362_738613622936087_413334949_n

خيوط النور تتسرب إلى البيت عبر الشقوق . تستفيق جموع الخطاطيف التي تحتل تلك الثقوب في الحيطان وأسقف المنازل ، تملأ المكان ضجيجا ممزوجا بروائح فضلاتها الكريهة : منتشرة هنا وهناك وفي كل مكان. من أعلى مئذنة المسجد العتيق في قلب المدينة القديمة ، يصدح المؤدن معلنا صلاة الفجر بحبال صوتية مترهلة ، مرتخية بالنعاس. يختلط الآدان ،بنداءات (الشرقي لعور ) بلطجي محطة الحافلات والذي لازال لم يتخلص من آثار الكحول بعد :
-رررباط !!ررربا ط !! الرباط ،،، الرباط.!! آ العروبية ! العاصمة ! العاصمة !!
يسند جسده المنهك إلى حائط مكتب بيع التذاكر ثم يتهاوى على مؤخرته .
بدأت طقطقة النعال ترتطم بإسفلت الزقاق ،وتغتال صمت المكان ،لازال الناس نياما يذغذغون اللوزتين بالنفس العميق صعودا ونزولا .
ترك أبي الفراش بصعوبة كبيرة مستندا على الحائط ، تسمع كركرة عظامه واضحة يردفها بشكواه : (ربي وهن العظم مني) . يمضمض ويستنشق و يستنثر ويستنجي يخلط هذا بذاك ، يرتبك في التقديم والتأخير، يخرق قواعد الوضوء ،لا يهم ،المهم أن لاتفوته صلاة الفجر، يقذف الماء متبوعا بالمخاط في بالوعة المرحاض ،وينتعل حذاءه الأعسر ،يتسلل ، دون أن يثير انتباه النيام ، أدار مزلاج الباب : صرير يومي مزعج يشتكي منه الجيران . يمتص غضبهم مدعيا أنه طلب التشحيم .
كنت أكثر ارتباطا به ، ولم أكن لأترك له فرصة التسلل ،أشد بتلابيبه ، ينهرني :
-عد إلى فراشك :(جيل قمش ، ما يحشم ما يرمش) ، لا تنامون لا ليلا ، ولانهارا ،ولا تتركون من ينام ، إيش تربية آخر زمان !
بالغت في التمسك بتلابيبه : ركلة قوية على مؤخرتي ، أحسستها تخرج معدتي من فمي ،أكاد أتقيأ أمعائي ! صفعة مباغتة على القفا تفقدني توازني ! صرخة مكتومة ! أبتلع ألمي و أتظاهر بالعودة إلى الفراش . أتحين فرصة خروجه ،لأعانق نسيمات الصباح في الخلاء وأمتع نفسي بحركات اللقلاق في عشه في أعلى مئذنة الجامع العتيق ، يروض جناحيه يمددهما ، يمططهما ، ثم يتلاعب بعنقه الطويل :مرة لاما عربية ممشوقة القد ، وأخرى سينا s أجنبية مصقولة الحواشي . يكركر عاليا بمنقاره العاجي الطويل منتشيا بتباشير قدوم نهار جديد !
قبل أن يتجاوز أبي عتبة الباب ،شيء ما يجعله يتسمر في مكانه ، تتسع حدقتاه ، يمسح الزقاق الضيق بنظراته ، انطفات الأنوار للتو ، و العتمة لم تلملم رداءها بعد ! تركزت عيناه ، في اتجاه عمود النور القابع في ذلك التقاطع الذي تتفرع عنه كل أزقة الحي الضيقة كمن عثر على كنز ثمين قال :
-انتظر!انتظر ! انتظر ماذا هناك قرب العمود ، كيس ضخم يتحرك، يا ألله ما هذا ! يرتفع وينخفض ،كأنه يتنفس !!
استعاذ بالله وبدأت خطواته تقترب من ذلك الشيء المتحرك ،في خوف لم يسبق لي أن رأيته يرتسم واضحا على تقاسيم وجهه : كيس بلاستيكي صخم ، يتحرك ، أنفاس ثقيلة تذغذغ قفصا صدريا متعبا ، التفت إلي وكأنه نسي حضوري غير المرغوب فيه، واستأنس بي :
– أعوذ بالله ما سبق لي أن رأيت كيسا يتنفس ، يعلو وينخفض كالصدر !!
يلوك آية الكرسي أكثر من مرة ،لم تتجاوز حروفها لثته ، ويبصق يمينا وشمالا كأنه سيلج قصور الجن .
بدأت طقطقة أحذية ونعال مصلي الفجر على الإسفلت تقتلع من صدر ه تلك الوحشة وتشجعه على الاقتراب أكثر من ذلك الكيس الضخم .!
– يا إلهي إنه كيس تنام تحته إمراة ، ماذا إنها امرأة ؟! نعم امرأة !!
شعرت المسكينة بحرارة تلك العيون المندهشة تخترق كيسها وتنزل على جسمها سهاما قاتلة ، أحست بعدم الاطمئنان و تحركت تحت كيسها وهي تغالب النعاس ! بالكاد تبينا سحنتها القمحية اللون ، على نور ذلك المصباح المشنوق في أعلى العمود الذي لا زال نوره يومض ويخبو ، امرأة خمسينية : هالة جمال قديم ، خطان متقاطعان باهتان يتوسطان حاجبيها ، وعلامة معقوفة على ذقنها ، وشم يشي بأنها كانت محط أنظار وتملأ العين ! ،استرقت منا نظرات حذرة مشوشة وتمتمت بكلمات لم نعرف فحواها ، التقطنا منها بعد جهد جهيد : ولدي!! ما باله ولدي !! ولدي ما باله ولدي !! رددت هذه الكلمات وهي تتفحص ذلك الكيس الجاثم فوق جسدها النحيل يعصرها فوق الأرض عصرا وكأنها تخاف ضياعه وتشد عليه بالناب والناجد .
تجمع حولها نفر من المصلين ، متساءلين عمن تكون ،مستفسرين عن حقيقة أمر هذا الزائرة الغريبة التي تحمل كل هذا الثقل ، في حيرة شديدة ، لكن سرعان ما انتشلهم أبي من حيرتهم :
– يا أسيادنا ، هل ستنتظركم صلاة الفجر ! استعيذوا بالله وأتركوا هذه( الدرويشة ) .تنام والصباح، رباح! وضوء النهار يفضح الأسرار ! ابتلع الزقاق الضيق المؤدي إلى المسجد العتيق المصلين ،وتلاشت حركة الأحذية والنعال واختفت الأصوات النشاز.
لم تكد أشعة الشمس تلمس الأرض ، ومصباح الفجر في أعلى مئدنة الجامع يطفأ حتى كانت حشود النساء تطوق ذلك الكيس من كل جهة ، وهي من تحته ترمقهن بنظرات توجس وخوف ، ووجهها ملتصق بالأرض .سلوكها يشي بأنها تكره النساء ،دون أن تفصح عن كلامها ،تتمتم بكلمات مكتومة ،متقطعة ،غير مفهومة ، وتستكين من جديد ؟!
أسئلة و تساؤلات حائرة تعبر تلافيف أدمغة النساء ثقيلة كسحب محملة بأمطار رعدية ،وهن يتموجن في دوامة الحيرة ، والاندهاش .
-تقول إحدى العارفات التي لا تعرف شيئا :
– صاحبة هذا الكيس الضخم ، هي ميلودة بنت إدريس !! امرأة شبقية ،استسلمت لصوت قلبها وضيعت شطرا من كبدها . حسب ما يحكيه عنها (الأعور )صاحب القصبة (الناي)،عندما يزورنا كل عام ، ويدعي أنه هو زوجها ، فأصبح معروفا عندنا ، (براجل ميلودة )،
تنبري من الجمع امرأة شابة حديثة العهد بسوق النساء :
سوق النساء سوق مطيار ~~~~~~~~~~يا الداخل رد بالك *
يوريوك من الربح قنطار ~~~~~~~~~ويديو لك راس مالك
تضع أصبعها معقوفا على شفتيها وتقول ممططة كلماتها في غنج وبلادة ساذجة :
-ومن هي مبلودة بنت إدريس يا بنات ؟!
قهقهت إحداهن ساخرة منها :
– إنها خالتك يا رعناء ويا حمقاء ! طبعا إنها زوجة الأعور صاحب (الناي) الحزين الذي يتغنى بفضائح خيانتها ، متحسرا على بدرة وضعت في غير تربتها الصحيحة :
– ميلودة بنت إدريس ~~~~~ داها البوليس !
-حطوا ليها اللثام ~~~~~ يصدر عليها لحكام !
– ولماذا ستحاكم إذن !؟مجرد سماع اسم المحكمة يجعل جسدي يتصبب عرقا !!
– يحكي الأعور صاحب (الناي) الذي جعل منه هذا الحدث الأليم شاعرا :
-غابت ميلودة في غفوة عشق حميمية في لحظة خيانة، وأغفلت صغيرها لوحده في الغابة ، التهمت لحمه الذئاب و امتصت عظمه الثعالب . وعندما استفاقت من غفوة هذا العشق المحرم وانطفأت جذوته ،لم تجد من ابنها إلا ما تبقى من أشلاء وعظام عافتها الحيوانات . حكم عليها بالسجن المؤبد بتهمة الخيانة الزوجية والقتل غير العمد ،ولاذ عشيقها بالفرار ولا زالت مذكرة بحث تقتفي أثره إلى الآن ! أما زوجها فقد أصابه الخبل وارتخت حبال دماغه ، فوجد ضالته في تلك القصبة (الناي) يبتها أحزانه و يروي قصة زوجته الخائنة وصغيره الفقيد أشعارا يتغنى بها في كل زقاق وفي كل حي وفي كل سوق شعبي . فيتستحوذ على تعاطف الناس .
– لكن يا صاحبتي ما نعرفه عن ميلودة أنها ماتت حسرة وكمدا في السجن قبل أن تكمل عقدها الأول من مدة حبسها .
-لكن هناك من يقول بأنها استفادت من العفو في مناسبة ما ، ويقولون : إنها هي صاحبة الكيس الضخم ،وإنها لا زالت تحتفظ فيه برفات وبقايا ابنها ،لم يجرؤ أحد أن يقترب من كيسها لمعرفة سره ! فهذا سر عصي قصي متمنع عن الافتضاض من طرف أي أحد ! سر في بئر عميقة جدا !
أمرها غريب هذه المرأة !! فإنها لا تضعه من فوق ظهرها أبدا ولا تستريح منه : إنه على ظهرها كقوقعة الحلزون ! إنه منها عظمة الظهر من السلحفاة !!
– وهناك من يقول صاحبة الكيس الضخم هي ( غليمة ” بتسكين الغين وفتح اللام”) كانت امرأة غاية في الجمال ! صيادة رجال ماهرة ! مدمرة بيوت ! ضاقت النساء بوجودها درعا وفكرن في التخلص منها ومن جمالها حفاظا على أزواجهن ،يقولون : كانت سمعتها فضلة نغاف أو رائحة جيفة ، أيقونة للفساد !!
تربصن بها وناولنها ( شذق الجمل *) غدرا في احدى المناسبات ، فارتخت حبال عقلها ودمرت تلافيف دماغها ، ولم تعد قادرة على تمييز شيء ،حتى محتويات هذا الكيس الضخم الذي تفوح منه رائحة كريهة جدا تبعث على التقزز والقرف .
شعرت المسكينة بنظرات عشرات العيون تخترق جسدها وتفتض بكارة سرها : تحرك الكيس ، تراجع حشد النسوة إلى الوراء كما لو كن أمام طرد مشبوه ، خوفا من ردة فعل هذه المرأة الغامضة ! أقلعت (كالمركافا ) أو هذا ما كنا نفكر فيه بذلك الخرم الأبله !خرم الإبرة !
رأسها ملتصق بالأرض ، الكيس مشدود بعناية فائقة على ظهرها من العنق مرورا بالإبطين إلى الخاصرة ،وينزل بكل ثقله على جسدها النحيل ، تحركت بصعوبة : خنفساء تدفع كرة مكورة كبيرة من بعر الآرام.
تدحرجت فوق الإسفلت ، وابتلعتها زنقة البئر الضيقة التي كانت توحي لنا بلوحة غلاف رواية( الطاعون) لألبير كامي .لفها ما تبقى من ظلام عتمة الفجر. كانت زائرة خفيفة الظل، منذ ذلك اليوم ما ظهر لها أثر ،تاركة ألف سؤال وسؤال يؤرق ذاكرتنا نحن العطشى لمعرفة سر ذلك الكيس الضخم ،ونحن ننتظر عودتها كل يوم ، قال أبي ساخرا :
-المخبولون مثل الطيور يهاجرون ، يغيبون لعشرات السنين ، لكنهم يعودون ،ربما ستعود هذه المرأة وعلى ظهرها كيسها الضخم ، هذا طبعا عندما يعود اللقلاق إلى عشه في أعلى مئدنة المسجد العتيق . فجر يوم من الأيام ، أيقظتنا كركرة منقار اللقلاق العاجي الطويل ،على المئدنة ،تسابقنا إلى عمود النور ، لم يكن هناك شيء ! عاد اللقلاق ، ولم تعد ذات الكيس الضخم ،فاشتعلت نار الفضول في أنفسنا أكثر من ذي قبل !!.

—————————
سوق النساء: من اشعار عبدالرحمان المجدوب
شذق الجمل: نبتة يؤدي تناولها الى الخبل
غليمة: شخصية حقيقية وهي ذات الكيس الضخم ، عاشت تتنقل بين وادي زم وخريبكة وبني ملال.
ميلودة بنت ادريس: تراث شعبي يحكي الحقائق المذكورة في هذا النص .
الصورة : حقيقية لهذه المرأة العجيبة ،التي لم يعرف احد ما ان بذلك الميس رغم جميع المحاولات .لهذ ا ارجو ان تنشر دائما الصورة مع النص .وتعود للسبعينات.

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
قراءة في نص “قلبان في القفص”
التالي
يـوم تحليـق الهامـات

اترك تعليقاً

*