القصة القصيرة

غيوم جافة

ـ ”ستزورنا هديل بنت أختي هذا الأسبوع بعد عشرين سنة من الغربة في الديار الأمريكية، ستكون الآن في سن ابني الوسيم عماد .. سأخطبها له.. !!”
قالتها بصوت مرتفع و هي تخاطب زوجها محمود المستلقي على السرير و عيناه متعبتان من كثرة العياء..
حدق في وجهها المبتسم، حك أذنيه و استدار نحو الجهة الأخرى ..
أذنا عماد القابع في غرفته المجاورة، التقطتا الخبر و كأنهما جهاز الرصد و المسح الطبوغرافي..
تنفس بعمق، تمدد على سريره و هو يداعب وسادته بيديه.
بعد صمت وجيز، تجمعت تخيلات و تصورات بداخل جمجمته التي تحولت هي الأخرى إلى جهاز “بروجكتور” فصار سقف غرفته حديقة غناء و هو بداخلها يمسك يد هديل الناعمة، يحدق في عينيها الزرقاوين، يهيم في عنقها الذي يشبه عنق غزالة يافعة.
فجأة، يدق أحدهم باب غرفته، يقفز كالذي يتخبط من المس، يضرب قفاه بيده اليسرى:
ـ ”صاحبك ياسر ينتظرك خارجا” عض لسانه ثم همس في أذن أخته :
ـ ”أنا غير موجود عزيزتي، تصرفي وداعا”
غلق الباب بسرعة، ترامى على السرير من جديد، حاول استجماع خيوط قوس قزح من جديد لكنه لم يفلح.
ـ سأثبت لها أنني الشاب المناسب، و أن ثقافتي لا تقل عن ثقافتها الغربية، سنخرج معا إلى الشاطئ، سيرمقونني أصحابي بنظرات حادة خصوصا بنات حينا المهترئ، بل هناك من سيموت من الغيض و الحقد.. آه .. !! كم سيكون العرض ساخنا!!
قفز من السرير بسرعة على غير عادته، أنار الضوء، فتح نافذة غرفته التي لم تفتح مدة طويلة، حدق فيها بنظرة خاطفة؛ كانت متسخة و غير منتظمة، أعشاش العناكب مبعثرة في زوايا الغرفة كأنها خرائط بلدان ممزقة، ذباب ميت كأنه لجثث بشرية مستلقية في زوايا مظلمة..
ـ هذه الغرفة بلا شك ستكشف عن حقيقتي المزرية و ستجعلني أخسر الرهان عند النظرة الأولى.
خرج مسرعا و بلهفة باحثا عن المكنسة، تعثرت رجله بدرج مرتفع فداس على منضدة فوقها مزهرية كثور هائج لا يرى سوى اللون الأحمر..!!
قفز أبوه من النوم و قلبه يرتعش..
ـ ما هذه المصيبة.. أصبح النوم في هذا البيت مزعجا !!
خرجت زوجته و قلبها يكاد أن يخرج من قفصه، و جدت ابنها عمران يمسك رجله و هي تسيل دما ..
ـ ابني الحبيب هل أنت بخير!! ألا ترى أمامك؟؟
مسح دمه بقميصه بسرعة و هو يقول لها :
ـ لا تخافي يا أمي .. فقط جرح بسيط .. أنا بخير.
و هي تعيد الفوضى إلى حالتها الطبيعية، رن جرس هاتفها ..
ـ أختي الرائعة لقد ألغي السفر في الوقت الحالي، ابنتي هديل أتاها عريس رائع !!
سنراكم جميعا في العام القادم..

ميزة القلم مداده، و ليس غلافه المذهب !!

السابق
تَنَصَّتٌ
التالي
رحيل شاعر

اترك تعليقاً

*