القصة القصيرة جدا

فتاة الاستعلامات

عهدي بها وهي تعمل بالسكة الحديد .. وديعة .. طيبة .. رقيقة .. مهذبة .. هادئة الوجه .. بيضاء .. عسلية العينين .. ملفوفة القوام .. وكأن عظامها من خيزران .. ناعمة الصوت .. والملمس .. حلوة الطباع .. حسنة الخَلق والخلُق …
أتذكر وأنا طفل صغير.. كانت تلعب معي ..تجري خلفي, وما أن تلحق بي حتى تضمني بين زراعيها العاج .. إلي صدرها المرمر .. ثم تعبأ جيبي بالحلوى .. وحين تغفل عني ..أقبلها , وأجري , فتجري خلفي .. وتضحك تمسكني .. تضمني مرة أخري .. تدغدغ مشاعري الصغيرة , بين يديها الحاسرة .. فيهتز قلبي طرباً .. ويفرح ….
أذهلتها المفاجأة .. وتسعت عيناها دهشة .. لحظة أن رأتني , واقفاً أمامها وقد كبرت .. وصرت طالباً جامعياً.. حدقة في ذهول .. صوبت النظر إليّ وصعدت .. وعيناها مرتجفة .. وعلي وجهها شيء غريب .. يشبه صمت المقابر.. ومِسْحَة مكياج خفيفة.. ترمم وجنتيها.. لكي تصلح ما أفسده الدهر حينها ابتسمت .. فتفتحت كل الزهور الذابلة .. علي وجهها المخملي .. واختفت بصمات الزمن .. حتى كادت تتلاشي تماماً .. اشتكت ليّ , وبكت , بصوت حزين .. وروت ليّ ما كان من قرانها الذي باء بالفشل .. وأيضاً عن الذين يحاولون الاقتراب منها .. طمعاً في انوثتها .. وكيف كانت تفر, وتنفر في وجوههم جميعاً.. ومن يحاول أن يدنو منها , أو يقترب ,أو حتي من تحدثه نفسه .. بأن يستخف ظله , ودمه , تلقنه درساً في الأخلاق , لم ولن ينساه .. وتجعل منه عبرة لمن يعتبر ….
وظلت تحكي وتحكي .. وراح شيء ما يتسلل بداخلي .. يشدّني نحوها .. ويجذبني بقوةٍ هائلة.. خفية لست أدري ما هي.. ربما يكون حنيناً للذكريات وأيام الصبا .. ذلك الماضي الجميل ..أو ربما يكون تعاطفاً معها ..أو حباً, أو شيئاً أخر .. لا أدري بالضبط ما هو ..؟..

وقفت أفكر .. وأنا أستمع لصوتها الموسيقي , الجميل .. وأنا مشدوها .. مأخوذاً .. مجذوباً اليها بطريقةٍ غير عادية .. وسألت نفسي …؟ .. تري أي سر فيها ..؟.. يجذبني إليها هكذا.؟ .. نعم أنا أعرفها جيداً .. ولكن كل هذا ليس مبرراً لسر اهتمامي المتزايد بها .. يوماً عن يوم ..؟!! … مسكينة .. دائماً كانت تحلم .. ببيت صغير .. وأطفال تهب لهم حياتها .. في كنف زوج يقيها , غوائل الدهر.. لكن الحياة .. ضنت عليها , حرمتها من أبسط حقوقها.. والدنيا لم تبتسم لها .. في يوم من الأيام .. حتى تسعد , بما تبقي من عمرها .. الذي أنفقت منه الكثير, في انتظار العدل …. ابتسمت لها .. فأمسكت عن الكلام .. وأطرقت تفكر .. ثم هزت رأسها .. غير مصدقُة ما تري .. راحت تهزني من بين كتفيّ .. حتى تتأكد أني .. حقيقة واقفة أمامها .. ضحكة وهي تقول … بصوت عذب … مرتبك .. مُدَغدغ النبرات ….
ــ معقول ..؟! .. انت …؟ !!!
أمسكت يدها الناعمة .. حنوت عليها .. فأنا الوحيد الذي يستطيع أن يفعل ذلك .. ويكلمها , ببساطة .. وبدون تكلف .. وكنت أحجز لها في القطار بجواري .. وربما في بعض الأحيان ..امسكها من يديها العاج أمام الناس , وأناديها باسمها مجرداً.. فتضحك كالربيع حين يقبل .. وهي مقبلة كالنسيم
وتقول :
ــ أنت أتجننت ..؟ !! .. تناديني باسمي هكذا , أمام الناس ..؟!!
فأجذبها من يدها لتجلس بجواري ..نتبادل قطائف الحديث,وقلبي لا أستطيع أن أتحكم في ضرباته المتلاحقة .. وأحس بأن رأسي اصطدمت بالسحاب..
وفي أيامٍ كثيرة .. عندما كنت أعود من الكلية .. أجيئها .. في صمت أقف أمامها.. وأظل أنظر إليها من النافذة الزجاجية.. متكأً علي الحائط الرخامي محتضناً أجندتي السمراء .. بين زراعيّ .. وهي لا تشعر بوجودي .. وحين تنتبه للمفاجأة … تصيح كالطفل … فيتلألأ وجهها كالبدر … وهي تسألوني في أرتباكٍ لذيذ …
ــ لماذا جئت ..؟!.. ومن أين أتيت ؟!!.. ومتى …؟!! ..
و حبلٍ من الأسئلة..؟؟!!.. ألذي أقطعه بسؤالي ..؟..المعتاد عن القطار الذي يقلّنا .. تهز رأسها مغتبطة .. تطرق هنيهة تفكر .. تخبط بالقلم فوق دفاترها .. التي علي المكتب.. ترفع رأسها ببطء.. فتلتقي العيون الحائرة .. التهم ملامحها , ذات العذوبة , فأذوب شوقاً .. تهرب عيناها سريعاً , في وجلٍ .. فأومئ برأسي لها .. مبتسماً .. وأنصرف ……..
أجلس علي الرصيف المزدحم ــ كيوم الحشر ـ بالركاب .. أسمعها في المذياع .. تعلن عن القطارات المتأخرة.. والتي في ميعادها .. يجئ القطار أقفز في جوفه .. أجلس بجوار النافذة .. أرقبها , من بعيد .. وهي قادمة تبحث عني .. وتتلفت ذات اليمين , وذات الشمال .. أناديها.. فتنتبه .. تأتي إليّ مسرعة .. وهي ضاحكة .. تجلس بجواري .. نستأنف الحديث الذي لم يكتمل .. والذي قد يكون سر اهتمامي بها .. أنظر في عينيها .. فلا أشعر بالزمن … ويسرقنا الوقت إلي أن نصل …و ….

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
صَيْــــد
التالي
أفـئدة فارغة

اترك تعليقاً

*