القصة القصيرة

فتوح الرحبة

م··م···م··· ميم ساكنة ٠٠ مهمومة ٠٠ مكتومة :
تنفلت أنين أوجاع محمومة من متاهات خياشيم ،عريضة ، سمراء مفتوحة في مهب ريح عشق أهل السماء ،يحل الأنين في خشخشة القراقب و تأوهات هجهوج مجنون مسكون بعشق الملوك.
أصوات عجيبة ، غريبة، تتسرب من ثقوب مسامير كبيرة أكلها الصدأ ، تتخلل أبوابا خشبية بارزة النتؤات ، تجتاح أزقة ضيقة ،تمتزج بروائح برودة تمتصها حيطان قديمة ، من رذاذ بحر يحضن مدينة الرياح !
ينتصف قرص شعبان ، يتعجل كناوة الاحتفال بالليلة/ الدردبة :
رمضان يحبس [ رجال الله] في معازلهم الأسطورية، ليسود السلم والسلام !
تعانق بلابل قادمة من صحراء تومبكتو نوارس بحر موكادور :
بألوانها السبعة ترقص تحت طاقيات مزركشة بأصداف زجاجية !
بحة هجهوج ٠٠ خشخشة قراقب ٠٠٠طقطقة أكف مفلطحة غليظة :
إيقاع شطحات صوفية قادمة من جنوب مجنون بعشق الجنون إلى مدينة الرياح !
أمكنة الليلة مقدسة : ضريح” سيدنا بلال” مكان خاص بمن يسكنه عشق الألوان :
ألوان الملوك في بؤبؤ العين : هلوسة عشق··هذيان حب مستحيل ··اعتلاء عرش مجنون !
مجامر طينية قديمة متراصة في زوايا المكان ، تمطرها العرافة بحبيبات بخور الجاوي ···بخور لالة مكة قوي الرائحة٠٠ روائح غريبة تطبطب على أنوف مجانين و مجاذيب وعشاق الليلة ، تثير فيهم الغرائز الدفينة ، تؤلب عليهم المواجع ، توقض عشق الجنون في دواخلهم !
يتلمس ” طبيب الأرواح ” أوثار الهجهوج ، أيقونة الليلة :
– مم ،مم ،مم، مم ! ها ،ها ،ها، ها، ها ،هيه، هيه ! مم، مم ،مم، مم آلعفو يا مولانا :
أنين كئيب ٠٠ دندنة حزينة تتغلغل في أعماق نفوس مكلومة،مغبونة ، تبحث عن خلاص مستحيل من وهم قاتل !
تخشخش القراقب ٠٠ تصفق الأكف ٠٠تنسجم مع أوجاع أوثار السنتير :
بسملة ٠٠ حوقلة ٠٠تكبيرة ···صلاة على النبي ٠٠ صرخة وجع وألم ترج دعامات السقف ٠٠ تردد صداها حيطان الضريح :
– وااااااااايه···وااااااااايه ··· واااااااااااااه ! وااااااااو ···واييييييييييه !
-آ مولات الكيفان آ لالة !
-آمولات الويدان آلالة !
-السالبة العقول آلالة !
البخور والدم خمر ملوك وملكات لهم شأن عظيم في العالمين :
تتمتم العرافة ٠٠ كلمات مبهمة ، تندلق من خيشومها غير ذات معنى : نهنهات··نحنحات·· حاءات متقطعة !
تتف هنا ، هناك ·· بصاقا ممزوجا بشيء من ملح ·· تعابيرها شيطانية ، يدركها مجاذيب ليلة يتحد فيها الثقلان ، يحل العلوي في السفلي ، يجف بحر الظلمات ··تلتحم القارات : زار ··· فودو ··· كناوة !
تبدأ رقصة دراعات فضفاضة قزحية ،تحت طاقيات تزينها أصداف بحرية :
يرتفع الإيقاع ، يجن جنون “طبيب الأرواح ” يكاد يفقد اتزانه وهو يستحضر الأشباح :
تعلق أجساد نحيلة بين السماء و الأرض، تكاد تطير ·· رؤس مسطحة حليقة تتمايل في حركات سريعة متناغمة ·· يحركها ملوك يحتلون تلك الأخشاب المتعبة الصفراء حد الاخضرار !
يمتص الفراغ أدخنة البخور و لفائف التبغ ،ترتسم أشياء شبيهة بالأشجار و الأحجار، وتشكل دوائر غريبة ٠٠ صورا غير متجانسة، تزيد من وحشة المكان عظمة و رهبة :
الأبيض ···الأخضر ···الأحمر···الأسود ··· الأصفر ··· البنفسجي : ألوان هؤلاء الملوك قزحيي العشق، لكن لكل ملك لونه ٠٠لكل ملك ساكنه بين السواكن ٠٠هم ملوك شرهون يحبون تلمظ روائح الدم ٠٠يخافون الملح ٠٠يتهيبون من نور الشمس و ضوء القمر !
شمهروش /حمو / لالة مليكة / لالة ميرة / لالة جميلة / لالة عيشة “مولات المرجة ” حضورمميز على شرفهم تقام هذه الليلة الشعبانية المميزة !
يتشظى قوس قزح في فراغات المكان ،تنعكس ألوانهة باهتة على الأواني الفضية !
تتدلى الرؤوس مكورة كحبيبات البرتقال فوق صدور مرهقة ، مرهفة ، تعلو وتنخفض ، تصدر زفيرا وحشرجات ٠٠ جذبة تسلب الإرادة ، لكنها مخالفة لجذبة الدراويش !
تسبح الأجساد مترهلة تحت كويرات العرق البلورية المتصببة من الجباه بغزارة ٠٠يمتزج الصراخ بالأنين وبالنحيب المكتوم : اتحاد وحلول في إيقاع الهجهوج والقراقب !
هياج جماعي محموم تزول فيه الفوارق الطبقية ، يديره “طبيب الأرواح ” بحنكة و اقتدار !
تبالغ العرافة ، في رش المجامر بالبخور !
تنبري شابة عشرينية فاتنة فجأة من بين الحشود، ، تحل شعرها الأسود كضفيرة الليل ٠٠تركع على ركبتيها أمام “طبيب الأرواح ” تكاد تلصق أذنيها بالهجهوج الصاخب ، تشبك قبضتيها وراءها ، تشرع في جذبة هستيرية ، ومن حين لآخر تكنس الأرض بضفائرها ٠٠تسري في جسمها صفرة فاقعة ، تغطي رغوة شفتيها ، تجحظ عيناها تلتوي حبالها الصوتية ،تكاد تنخرم !
تصيح الشوافة وهي تضغط على صدغيها :
-هذا ميمون يا ناس تمكن منها طفلة : عزباء ٠٠حسناء ٠٠هيفاء ٠٠ممشوقة القد ، يعاقبنا بامتلاك أبنائنا !
تدخل الشابة مرحلة هذيان قصوى يتحد بها ميمون – وهو أشرس الملوك – وتتحد به ويحل أحدهما في الآخر ٠٠تتحدى “”طبيب الأرواح ” بسخرية مقيتة ، تصيح فيه :
– يا عازف الهجهوج ، هؤلاء قوم يأجوح ومأجوج :
قادمون من كل حذب ينسلون .. ينهار سد الحديد المطلي بالنحاس ٠٠يفشل ذو القرنين ٠٠ عراض الوجوه ٠٠صغار العيون ، تلمع شررا ٠٠بطول أشجار الأرز أجسادهم ٠٠ الموت قادم يا “طبيب الأرواح “، يا مروض الأشباح !
يعدل طاقتيه فوق رأسه جهة اليمين ويقول بثقة زائدة !
_إنها في مرحلة إتحاد وحلول لقد انصهر فيها ميمون” عدو الله “وانصهرت فيه ، إنه يتكلم بلسانها ، وما تقول غير قوله : تخويف وترهيب !
تلطم وجهها وتصرخ ٠٠ ثم تستغيث ٠٠ تمارس شطحات ممسوسة تشعرها بنشوة أهل السماء ما خفي منهم وما ظهر :
– ها هم قادمون ،الواحد منهم يفترش أذنه اليمنى ويلتحف اليسرى..سيجتاوزون السد النحاسي بعد حين، سيلتهمونكم، سيستفون الأخضر واليابس !
قهقهات عالية ترج سقف الضريح ترتعد لهولها الفرائس ، ثم يليها بكاء ،مكلوم ، محموم !
تتكور لؤلؤتان كبيرتان براقتان في عينيه ، يمسحهما بكم دراعته ويقول :
-إنه ميمون يا شرفاء كناوة يسخر منا ٠٠إنه يشمت فينا ويتهمنا عدو الله :
– لقد قهرنا أهل الأرض ، وانتقامنا من ذريتهم أمر واجب !
-وحتى تكون معركتنا متكافئة ، ارفعوا إيقاعكم : هجهوجا وقراقب وساعدونا بالتصفيق بالأكف و اتركوا للممسوسة مسافة كافية للحركة لتمارس جذبة الخلاص ٠٠ لقد أحكم قبضته عليها …إنها الآن جاريته ، عشيقته ، أو شيء من أشيائه ! فمن تكون ام هذه الفتاة ؟!
تتقدم عجوز شمطاء حفر الزمن وجهها اخاديد وسيولا :
-أنا ياسيد سيدي، أنا أمها : هي كل ما جاد به الرحم من نعم الله !
– يا خالة ! هل سبق لها أن فكت خطا أو قرأت حرفا أو تعلمت في مدارس ؟
– لا يا سيدي ، منذ صباها وهي تخاف اجتياز عتبة الباب ، وتهاب الظلمة !
-إذن من أين لها أن تعرف يأجوج ومأجوج وقد حيروا العلماء !
– ميموت لسانها ٠٠ ميمون حالها ٠٠ إنها الآن حاضرة /غائبة ٠٠ حورية من أهل السماء ٠
ترقص مجنونة على صفحة الماء ٠ تعزف أنشودة الهبل والخبل على أوتار الهواء :
تهذي ، صاحية / نائمة ، سكرانة وما هي بسكرانة ، وتصرخ في الحضور :
-هههههه يا جهلة ، يأجوج ومأجوج ، بعدد رمال البحر قادمون :
ستلد نساؤكم قبل الأوان ، وسيشيب ولدانكم في المهد !
تروح في نوبة ضحكة شماتة،٠٠ وتفقد البوصلة : جذبة ٠٠ شطحة : صراخ٠٠ نحيب ٠٠ عض على الأصابع ٠٠٠ضرب على الفخدين !
وتخفت حدة الإيقاع شيئا فشيئا ثم يتلاشى ، يعود السيل إلى مجراه : تتمايل وتترنح ٠٠ تتلقفها العرافة بحنان تسندها إلى ركبتيها ٠٠ تستر عورتها بثوب أبيض ، من رأسها إلى أخمص قدميها ٠٠ تمسح بمنديل على وجهها المتعرق .. تناولها جرعة ماء تندلق على شفتيها ٠٠تغيب في غيبوبة أشبه بغيبوبة الموت ٠٠تترك رأسها بلطف يعانق الأرض الإسمنتية الرطبة !
وتنصرف في انتظار معركة أخرى اكثر شراسة : ربما مع لالة ميرة ٠٠لالة جميلة٠٠شمهروش ٠٠ لالة عيشة مولات الويدان ، ومن يدري فالخشبة قد تتحول فندقا مصنفا يسكنه أكثر من ملك وملكة أو تلبس قوس قزح بكل ألوانه .
والخلاص يتحقق قبل انبلاج الفجر ٠٠ قبل أن يلوذ الملوك بمعازلهم وحجبهم الخفية !
بقلم الاستاذ : صالح هشام
الاربعاء 12 اكتوبر 2016
_______________توضيحات_____________________
●الهجهوج / آلة وترية مصنوعة من الجلد والخشب
●القراقب : آداة رباعية التجويف وهي للقرع ومحلية الصنع !
●فتوح الرحبة : مرحلة من مراحل الطقوس الاحتفالية عند كناوة !
●الاسماء الاعلام : ميمون / شمهروش / حمو / لالة ميرة / لالة عيشة / لالة مليكة / لالة جميلة كلها اسماء لملوك الجن ، في الاعتقاد الشعبي المغربي ، وفيهم المسلم وفيهم الكافر !
●دراعة : لباس شبيه بالقفطان ، يستعمله كناوة في الليالي !
●الطاقية : نوع من الطرابيش التقليدية في المغرب

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
سؤال
التالي
حيرة