القصة القصيرة

فراسة

لباس متهرئ و وجه بائس ، لا تحتاج إلى حصص طويلة في علم الفراسة لكي تتأكد من أنه صعلوك ، بل يخيّل إليك أن الفضيلة تنتحر على وجهه ،و لكن ما إن يتكلم حتى تستغفر الله ألف مرة ،لأنه يصدمك بكلام ثابت و روح هادئة تخالف خلافا كبيرا مظهره ،تبقى متحيرا في سر يسبح في بحة صوته و فحوى كلامه ، و يبقى هو مزهوا بهذه الميزة التي منحه الله إياها ، و كلما خرجت من سحر كلامه ترقبت أن تأتي الشرطة في أي لحظة لتضبطكما معا متلبسين بأي جريمة كان اقترفها أو هو مرشح لارتكابها ، فوجهه و هيئته شبهتان صارختان ، تجزم أنه لم يمر على مرحلة الطفولة ، لا شك أن ظله أجمل منه، و لكنك لا تدري متى بدأت مراسيم الطلاق بين هذا الظل و شكله رغم محاولاتهما الحثيثة في التعايش الودي. بعض ارتساماته سحنة سائق مخالف للقانون ، ينظر إليك بكل وقاحة منتظرا التلذذ برؤية التقزز على وجهك ، و هنا أستطيع أن أتوقف، لأن القصة بالنسبة إليّ انتهت، فقد شفيت قلبي ، و لكن القارئ لا ينتظر من كاتب متواضع مثل هذه الشطحات ، لأنه يراها سمجة ، لذلك سأحاول أن أكمل . هذا الكائن يأتي كل مساء إلى بناية قديمة ليس فيها ضريح ، و لكن سماها صاحبها زاوية صوفية ، و هكذا بدأ الناس يتعودون على تسميتها ،و يكررها غيرهم ليسلم فقط من الجدال ، حتى اكتسبت ذلك بالتقادم ،فماذا يفعل صاحبنا هنا ؟ يلتف حوله شبان على الفطرة من العصر إلى المغرب ، ينتظرون منه خلالها تفسير بعض الحكم الصوفية و فكّ مفارقاتها ، متحملين منه الدخان الذي يتعاطاه و بعض العبارات التي يمكن أن تعتبر نابية ،و لكنها ليست صريحة ، و قد تسألني: أين مكانك أيها القاص ؟ أنا أحد أؤلئك الشباب ، و قد أجمع كلهم على نكران كلامي هذا في حقه، كنت صامتا متأملا ، و كان دائما يكرّر لي مبتسما ببراءة لا أقرأ فيها إلا المكر:
ــ أكرهك ،لأنك في داخلك لست صافيا اتجاهي ..
أحس بتأنيب الضمير .. أحزن ، و أبكي داخلي ، لأن روحي تنافرت مع أرواح الصالحين ..
هل أنتم معه في أنني لست صافي الطوية إزاءه ؟ بعد ثلاثين سنة ـ أي هذا العام ـ اكتشف أنه تاجر أسلحة دوليّ .

قاص و شاعر و كاتب

السابق
عجين كلام لم ينضج بعد
التالي
غدر

اترك تعليقاً

*