القصة القصيرة جدا

فراغ

ها أنت أيها المتعب تعود إلى مقهاك بعد طول غياب ، ترمي جسدك على أول طاولة فارغة وجدتها ، رغم أنك كنت تفضل أن تكون مطلة على الشارع بشكل مباشر. لاتغيير ، كل الأشياء مازلت في موضعها رغم عقدين من الزمن ، الكراسي ، الجدران .. صخب لاعبي الورق في الركن القصي من المقهى ، تلك الجماعة المنكبة على الشبكة المسهمة بتوتر ، لكن أصدقاءك غير موجودين ، تفرقت بهم السبل ، كل في مكان . تستغرق في تأملك ، تستعيد ذكريات طيبة تربطك بالمكان . لا يخرجك منها سوى النادل الذي أقبل عليك هاشا و كأنك لم تغادر المقهى أبدا؛ يحمل لك مشروبك المعتاد ، شايا بالنعناع. يضعه أمامك ، و يسلم عليك بحرارة ، ثم يقدم لك الجريدة كما تعود أن يفعل. ينصرف صامتا . حتى هو لم يمسسه التغيير ،أو هكذا بدا لك، كأن كل شيء في هذا المكان مقاوم لعوامل الزمن و عواديه. من أين يأتون بالمقاومة ؟ أمر عجيب ..
تتأمل صفحات الجريدة ، تنظر إلى العناوين البارزة ، تعزف لحن الإثارة ، تريد استقطاب قراء كثر. لا جديد سوى الملل. تطوح بها فوق الكرسي باشمئزاز.
تنظر إلى الأفق البعيد ترجوه أن يفرج عن جديده..تنظر إلى سرب الطيور المحلقة ، تسبح في الفضاء بمتعة ، تعلو و تنخفض بانسيابية ، مرة ترفرف بأجنحتها ، و مرة تترك للريح تلاعبها ..ثم بعد تعب تحط فوق الأشجار السامقة.
أمامك حديقة فيحاء مغلقة في وجه الزوار ، لا يرتادها أحد ، تحيط بالمكان أسوار قديمة ، مترهلة ، كلما أعلنت الانهيار ، سارعت الجهات المسؤولة إلى تقويمها حتى صارت بمثابة رجل مطروح فوق سرير أبيض ، يرتبط بالحياة بأنابيب مغذية. تحس بتلك الأسوار الشائخة صخرة فوق قلبك تعسر تنفسك. تلهيك عن سماع أغنية مطربتك المفضلة ، و هي تصدح بأغنية ” أطلال” الرائعة.
تمد نظرك إلى قاع الشارع ، تنتظر ذاك الرجل الذي يدفع عربته المليئة بسقط المتاع ، لا يخلف موعده أبدا ، تنظر إليه يدفع عربته إلى الأعلى ،صارا جسدا واحدا ، لا تعرف أين يذهب بها بعد ذلك ، لا تعرف أين يصرفها ، لا تعرف سوى أنه يعود بقليل من النقود لإعالة أسرته الصغيرة ، و مساندة طفله الوحيد ، يريده أن يتفوق في دراسته ، ليحقق الرقي الاجتماعي..لكن الرجل لا يظهر ، رغم رجائك الداخلي ، و حين يحل الغروب ، و يعلن النهار عن انصرافه بعد رحلة تعب ، تسقط من عينيك المتحجرتين دمعة ، تكفكفها بصمت بكم قميصك ، تصدر تنهيدة طويلة ، ثم تقفل عائدا إلى بيتك ، هناك ، تصفعك البرودة و الفراغ..

السابق
عادت والحيرة تأكل أنفاسها …
التالي
هذيان من حنين … اه يا علي …

اترك تعليقاً

*