القصة القصيرة

فردو حذاء

ما كان الأمر سهلاً عليّٙ أبداً، بل إنه لأمر شاق عسير أن أستيقظ كل صباح باكر، الصباحات المتثائبة تعيد نفسها دون ملل أو كلل، وبنفس الكسل والتذمر أستقبلها، ربما الشيء الوحيد الذي كنت أفكر فيه كل ليلة هو لحظة الجهاد الصباحية، ونزع الغطاء بالنسبة لي هو أصعب جهاد قد يواجهني…
بدأت صراعاً جديداً، عفواً… أقصد يوماً جديدا٬ً تساءلت: إن تأخرت ساعة واحدة، ماذا سينقص من العالم؟ وإن استيقظت قبل الموعد بساعة ماذا سيضاف إليه؟؟ بالتأكيد لست أنا سبب توازنه، ولست أنا أيضاً بطبيعة الحال سبب خلله. فمن أكون إذن؟؟
سي عبد القادر الجيلالي صاحب المقهى كان يحرص جيداً على احترام الوقت، بالطبع… وقتي أنا، لا وقته هو، أنا من يتوجب عليه الاستيقاظ باكراً، وتنظيف المقهى وترتيب كراسيها قبل مجيء الزبائن وتشريفه هو حسب ساعة “گانتو”* متأبطاً صحفه الصباحية التي لا يهمه منها سوى صفحة النكت.
جاء الصباح كما غادر الليل ولم ينته أصحاب الحي من لغطهم ولغوهم المستمر عن مشكل انقطاع الضوء ليلاً، حتى بدأوا في لغو ولغط أشدّ منه استيقظوا كما باتوا يلوكون الكلام بثرثرة، الظاهر أنهم استيقظوا على خبر فاجع آخر لم تتحمله أصحاب القلوب الضعيفة… ماذا؟؟؟ سيتم محاربة السكن العشوائي!؟… هذا ما قالوه بفزع وخوف شديدين، وهذا بالطبع يساوي تشريدهم وتشتيت شملهم حتى وإن وفروا لهم سكناً اقتصادياً كما يقولون… تساءلت مرة ثانية: هل ما ينطبق على السكن العشوائي، سينطبق أيضاً على الإنسان العشوائي إذا ما تمت محاربته؟؟؟
صراحة لم أفكر في الإجابة، أسرعت لأني لا أملك وقتاً للتفكير… خلّصت جثتي من بين المشردين مستقبلاً بجهاد ليس أقل من الجهاد الصباحي، لكني أحسست وكأن شيئاً ما ينقصني، وكأني نسيت جزءً مني عالقاً بينهم، تحسست جميع أطرافي وأجزائي، يداي ورجلاي في مكانهم، وأصابعي كذلك، لكن شيئاً ما ناقص… ماهو ياترى؟ أجل، إنها… فر… دة حذا…ئي ناقصة… يا لغبائي!! كان علي أن أمسكهما بيديّ إلى أن أخلّص نفسي من شِراكهم.
تركت الفردة الثانية جانباً، وجثوت على ركبتيّ أتجه صوب شراكهم هذه المرة بإرادتي، الأقدام تكاد تدعسني وهي ترسلني من قدم إلى أخرى، وأنا أنتظر من سيسدد الهدف برجله ويدعسني… كيف ستكون الدعسة يا ترى؟
من ساقين إلى ساقين أحبو، أدخل من ساقي هذا لأخرج بين ساقي هذه… تفوح منهم روائح عطنة نتنة امتزجت بروائح أحذيتهم، الأجساد تلطم بعضها البعض وتتدافع فيما بينها، تائه أنا بين الأرجل والروائح أبحث عن فردتي… العمالقة لا ينظرون إلى أسفل، لكنني أراهم جميعاً بحجم غير طبيعي، أرى جارتنا “السعدية”، أقصد أرى سروالها المتآكل به ثقوب تسمح للهواء بالنفاذ منها وكأن هذا هو سبب مصاحبتها له مدة طويلة حتى عجزت نسوة الحي عن العثور عليه، وهذا جارنا “علال” الذي رفضني زوجاً لابنته، احتزم بحزام غليظ يشبه في صلابته صلابة “الكوردة”* …”حزام السلامة” كما يسميه مازحاً، حتى لا يسخر منه ٲصدقاء الحي٬ فكرت أن هذه فرصتي لأعيد الاعتبار لنفسي وأنتقم لها لما سببه رفضه من تنقيض واحتقار لقيمتي، وأُعرِّض ما أخفاه تحت سرواله للخطر.
لمحتها أخيراً … إنها هي… فردة حذائي، فرحتي أنستني ما كنت فاعلاً ب”علال” وربما عفوت عنه تلك اللحظة… وجدت المسكينة الغالية مغتصبة تحت قدم لشدة ضخامة وبدانة “حليمة” بائعة “حمص كامون” خلتها قد زرعت بالأرض، أنا أجذب بشدة والقدم لا تتحرك من مكانها… غريب أن كل هذا الجذب لم تفطن إليه “حليمة”، والأغرب أنها لم تفطن له حتى بعد أن انتزعت الفردة وخلصتها من قبضة قدمها.
توالت الجهادات هذا اليوم، تُراني كنت مخطئاً لما ظننت أن أصعب جهاد هو نزع الغطاء صباحاً. استلقيت مستسلماً منها منسحباً عندما لم أجد الفردة الثانية التي تركتها جانباً.

*كلمة “گانتو”: تعني باللهجة المغربية “حسب مزاجه”
*كلمة “الكوردة”: تعني الحبل.

السابق
عرس
التالي
قسوة

اترك تعليقاً

*