القصة القصيرة

فرزٌ

كثيراً ما كان يحذّره كلّما دخل إلى المخزن الّرئيس، ويُسرّ في أذنيه : إياك والإقتراب من الصّف الأخير الملاصق للجدار الشرقيّ، ولو فرغتْ كلّ الصفوف من أجولة السّكر ؟.
يطأطأ الرّأس.. سمعاً وطاعة يا جدّ.
لم يسألْ يوماً عن السّبب وراء هذه التّحذيرات المستمرّة، ولم ينسَ وصيّة والده بالسّمع والطّاعة، وتنبيهات والدته الدّائمة له كلّ صباح.
اليوم شحّ السّكر في الأسواق، بعد ما أحجم الزراّع عن زراعة قصب السّكر لإنخفاض سعر توريد طنّ القصب إلى المصانع، وزيادة تكاليف الانتاج، واحتكار المستوردين للسوق الخارجي.
كادت معها تفرغ مخازن الجد عن آخرها.. عندها رنّت كلمات الجدّ في عقله الباطن، فلم يبقَ سوى الصّف المجاور للحائط من أجولة السّكر..ماذا يصنع والفقراء يطالبون بحصصهم
الشهرية، والأغنياء يعرضون عليه أضعاف مضاعفة للسعر؟.
لم يعبأ بكلّ هذا !!.
كان شاغله الأوحد تلك التحذيرات الدائمة؟.
غلبه الفضول للوصول إلى ما وراء صف الأجولة الملاصق للجدار الشرقي.. شرع في حملها وعرضها للبيع.. ضارباً بتحذيرات جده عرض الحائط وكشف الغموض الذي يكتنف الأمر.
على غير العادة استيقظ مبكراً.
ذهب يأخذ مفاتيح المخزن.. لم يجدها في موضعها المحدّد ؟.
ساوره الشّك ! لابد وأن في الأمر شيئاً مريباً ؟؟.
لمحها معلّقة بين طيّات ملابس الجدّ.
خرج وجلس أمام المحل يفتّش عن حيلةٍ للدّخول إلى المخزن.. لبسه داء القلق.
تذكّر تلك الخلافات الطّاحنة في الأشهر الأخيرة الّتي نشبت بين أبيه والجدّ قبل رحيله!.
أجل…
ربّما مرّت تلك الأزمة الطّاحنة من قبل، واستطاع والده الحصول على المفاتيح ودخل المخزن من وراء الجدّ، وحدث له حالة البُكم والخرس، وضيق التّنفس، وهبوط في الدّورة
الدّمويّة الّتي أودتْ بحياته.
ارتعدتْ فرائصه.. تكوّر على نفسه ، ثمّ ما لبث أن جرى إلى حضن أمّه.. قصّ عليها ما جال بخاطرة.. فاضت الدّموع السخينّة من مقلتيها.
هدّأت من روعه قائلةً: كلّ ما عليك الاستماع إلى نصائح جدك، وتنفيذ أوامره.
انكبّ يقبّل قدميها، وجسده يرتعش.. آوى إلى فراشه يتجشّأ من غير شِبَعٍ أسبوعاً، والجدّ لم يبال بحال حفيده.
مرّت الأيّام.. زاد فيها المعروض من السّكر، وعادتْ صفوف الأجولة تسدّ فراغ المخازن.. غير أنّ الوساوس الذي لم يبرحه قطّ.. زاد فضوله لمعرفة ما وراء الصّف الملاصق للجدّار
الشرقيّ بالمخزن الرّئيس .
تحيّن فرصة آداء الجد لفريضة الحجّ..
دخل وحيداً إلى المخزن.. نقل الأجولة، وكشف الجدار الشرقيّ.. وإذ بضلفة خشبيّة تشبه (الكُتبية) عليها قفل ملفوف بقطعة قماش زرقاء.. تكاثرت الظنون في مخيلته، وجالت الأسئلة المتلاحقة في ذهنه اليقظ.. تشبّث في معرفة ما بداخلها.. جاء بـ (عتلة) كسر القفل.. مع حركته لفتح الباب عنوةً، وتفريغ الهواء والضّغط بين الدّاخل والخارج حدث صوت فرقعة، ولأنّه على درجة عاليةٍ من الثّقافة العلميّة لم تعترِهِ الرّجفة.. ثبُت في مكانه.. مدّ يديه وأخرج (شكمجية) مصنوعةً من الصّدف.. فتحها.. وجد فيها بعض الأوراق اصفرّ لونها..
قرأ : هذه وصيّتي…
انخرط في نوبة ضحكٍ عارمةٍ.. ألهذه الكلمات الّتي تعارض الشّرع يحرص الجدّ، ويموت الأب؟.

السابق
المثاقفة وحتمية التلاقح الفكري
التالي
ديمقراطية الحمار

اترك تعليقاً

*