القصة القصيرة

فرصة أمل

صديق جذاب ..سمته الوفاء..لكنه و في أحيان كثيرة نفعي و مخاتل..يتزلّف و يتكلّف؛ حين تصله أخبار ما أدخره من زاد؛ وكذا يفعل حينما تراه يرعد و يزبد؛ يتقمص دور رجل الأمن حارس النظام.. شتاء؛ و بعد أن يحين العشاء يذكرني نباحه ببعض رجال السياسة والثقافة والطرب ورواد فن الخطاب ..حيوان في الحقيقة وربما كان شاعرا، فيلسوفا أو دجالا.. منذ سنوات وهو يتخذ من مسكني الموحش ملاذا أو إقامة صيفية تليق به كنبيل؛هنا على عتبة الريف؛حيث الهواء العليل و القمر يصبح على مرمى حجر..له أنفة الفرسان حين يتعلق الأمر بالزاد و ما يجلبه المال..لا يحتمل منافسا أو منازعا عدا أحدهم أشقر الفروة؛ ناعس العينين؛ يتأنق بذيل مستعار؛ يتحول كلما غالبه انتشاء؛ إلى أفعى تجيل نظرها في كل اتجاه؛ ربما كان من ذوي قرباه؛ أو ربما يكون في الأمر سر من الأسرار..يعلم أنني كائن فضولي بالطبع؛ كلما غاب ثم لا يلبث بغثة يظهر ..ألحظه طيعا ودودا؛ راصدا بارعا لنبرة الخطاب.. حذرا ماكرا يشيح عني بوجهه؛ و يرمقني بعين واحدة كامرأة أو قرصان..و فوق كل ذلك كرامة عزّت عن بني قومه ..إذا ما نهرته أو حَدَسَ أن الأجواء لا تشي بمعروف؛ يترنح شيئا فشيئا و يراوغ ثم لا يلبث أن يتحول إلى سراب.. وعلى رغم تقدم العمر و تبدل الأحوال؛ كان إذا ما رصد جمعا في البلدة أو لغطا؛ تراه ينبعث إليهم كالمحال؛ يضبط الإيقاع و يعيد النظام كشيخ قبيلة أو كرجل من الأعيان؛ وهؤلاء لاشك فحول الرجال..أحيانا وهو باسط رجليه بالوصيد؛ تَهُولُنِي منه نظرات أشعرها ساخرة لاذعة؛ وكأن لسان حاله اللاهث يقول : إنا ها هنا نسخر كما تسخرون..
أيْنَكَ أيها اللعين؟ كذا أسأل عن صاحبي كلما قفلت عائدا من العمل إلى عالمي السفلي؛ كذا تعلمت منه فضيلة الرياء و خصلة الوفاء.. أين يكون ذاك الرفيق العتيق..مناضل شهد هنا كثيرا من الأحداث و عاشر كثيرا من الرجال.. كان مؤنسا لهم و من عرفانه نهلوا أيضا..أدب.. علم سياسة..و..غيرها كثير.
طال الغياب؛ فما كان مِنّي و أنا ذابل الحال؛ أجتر الوقت و المسير إلا أن التفت إلى أحد الأتباع الصغار و أسأل : أين يا ترى ذاك اللعين؟..أجابني أحدهم – وهو المالك الأصيل- وأدهاهم : كلبي يقبع في البيت ما الخطب؟..ثم عاد يُصوّب ولسانُ حاله يقول : لقد رحل كلبك العجوز إلى غير رجعة..
كان رحيلا متوقعا؛ ولو أنني تعودت طعمه المُرَّ؛ إلاّ أنني أصبحت ألفظه كطفل أو عجوز تأخّر به الحال، قلت بيني و بيني معزّيا : كذا العظماء يغيبهم الجنون أو الموت أو هما معا ..كان نبيلا و ذا ذائقة رفيعة؛ لا يتأخر أبدا عن وقت العشاء، ضيفا راقيا يحفظ آداب الآذان والاستئذان.. كان عاشقا للخبز مُنَكَّهًا بزيت الزيتون؛ وهذا ما غاب عني طوال هذا الزمان؛ ربما يكون هذا الكلب شيخا رومانيا، أو كاهنا من “أولمبيا” يبجِّله اليونان..هو الآن مُكَوّمٌ؛ يفترش أكياس الزيتون في نوبة حراسة جديدة! ..لقد تأخر عن الناس الغيث ومعه تساقط حبات الزيتون هذا العام لكن مع ذلك؛ فالمحصول قد يسدّ قدرا طيبا من الحاجات.. أواه صديقي الرائع!.. يغفو الآن قرير العين؛ بعد أن شاركني خبزي وزيتي …جزاء من جنس العمل.

السابق
حسد
التالي
يقظة

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. حتى وإن تجرأت أن أصف أو أشكرك أخاف أن أكون جائرا في حقك ،ما أروعك أستاذي الفاضل.

اترك تعليقاً

*