القصة القصيرة

فرط الحجر

 أبو نضال:- يا لها من انتفاضة..! تفوق فيها الحجرعلى السلاح. نبلة ومقلاع.. بيد أبناء الضفة والقطاع، حار العدو في المواجهة، أبدى العجز والخور.. لقد تفوق الحجر.. لقد تفوق الحجر. [قبة الصخرة في خلفية المشهد، الربط واضح]، شواهد القبور.. قبور الشهداء والضحايا من حجر الرخام الأبيض مسجل عليها الاسم والتاريخ والحدث.. الحجر خير  شاهد على  ما  كان، إنه أخلد من البشر.. المشهد ينسحب ويمتد في عمق الزمان، وعمق المكان ملونا بأشعة الغروب الأرجوانية مشيعا بأهازيج، وتراتيل، وتكبيرات وتسابيح كلها لا تخلو من شجن، ولا من موسيقى جنائزية والليل معها يأتي  ثقيلا بطيئا  يسدل ستائره السوداء على أرض الميعاد.. 

    أحمد ماهر:.. مكانه الفارغ يلفت النظر منذ فترة.. المبنى رائع التنسيق والجمال في موقعه على النيل، لا  أحد يمر من  هنا إلا ويتعجب، ويتساءل: من انتزع هذا الحجر من الواجهة  الجميلة؟ ولماذا؟..

     لابد وأن هناك سرا  ما..!

     سهام  فتحي:.. من نفس مكان أحمد ماهر: كثيرا ما توقفت أمامه وتساءلت.. لماذا لم يوضع حجر مكانه؟.. أهم  يقصدون  ذلك؟

    دقات طبول تنداح بملء الفراغ.. ما من شيخ  ولا شاب ولا رجل ولا امرأة شاهد واجهة المبنى الجميل إلا ومني بما مني به  أحمد وسهام.. وكل يوم.. صباح مساء تتزاحم الأفكار وتتكاثر علامات الاستفهام..

    (المعلم) معلوف الجزار: يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم.. يا قاعدين الله يكفيكم شر الماشيين، والجايين.. يخرج حجرا من محله الكائن أسفل المبنى على النيل، يمسك الحجر ويسن عليه سكاكينه..

    الحاج أبو الوفا:- هنا.. في مكة.. كيف يتأتى النوم؟ حول البيت، مع الحجر الأسود، وحجر إسماعيل، ومقام إبراهيم.  لا ينبغي أن تضيع لحظة من العمر بغير أج، ولا  يصح  لإنسان أن يتوقف عن الصلاة، والطواف، والسعي.. هنا.. لا نوم.اللهم.. اجعل نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرا، وعملي شكرا.. ولكي يرتاح القلب،  وتقر العين لابد من تقبيل الحجر الأسود.. نستعين بالله على الزحام. لا نلوم المتزاحمين حوله.. كلنا يهفو إليه  لمزيد من القبل.. قطعنا  المسافات، وعبرنا البحار والمحيطات. فكيف نعود دون  تحقيق  المراد؟.. أمس رمينا الجمرات.. رأينا الحجر كيف يضرب الحجر.. والعبرة في المعنى والرمز؟

– الشيخ الشعراوي:.. سبحان الله!.. حجر يقبَل،  وحجر يُرجم.. [حجر ينداس ، وحجر ينباس ]…

– الطبيبة أشجان رمزي:.. عشرات بل مئات الثوار من أبناء مصر في أيام مشهودة يصلون المستشفيات مابين قتلى وجرحى، تقرير الطب الشرعي عنهم يؤكد على أن السبب في كثرة الإصابات والدماء – غير الرصاص، والقنابل – هو الحجر، وكسر الرخام من فعل هذا بأبنائنا؟ من غذى أرض الميدان بدم الشرفاء المسالمين من أبطالنا؟ من هؤلاء الذين حولوا حجر البناء إلى حجر هدم وفناء؟

     في خلفية المشهد، الأهرامات الثلاثة تمثل قيمة الحجر عند الأجداد. يصحب المشهد صوت القارئ يرتل: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد)

السابق
شجرة الكافور
التالي
قراءة في نص “فرط الحجر”

اترك تعليقاً

*