القصة القصيرة جدا

فزَعٌ

دبّ في الغرفة لحنٌ من جمال النغمات، فيه روح للحياة ، فيه تباشير الفرح. اعذروني لو قلت فرح، فهي لفظة مستوحشة، لم تعد مستعملة منذ عقود. في أوّل وهلة فزعتُ، من أين تأتي هذه النغمة لغرفة يتيمة، مرميّة في أقصى المدينة، مفتوحة منافذها على حفيف الشجر،ودمدمة الريح، وزمزمة الرعود…رأيتُه واقفًا على نافذتي الوحيدة، ألوانه مطرّزه، زاهية كصوته ، انتظرت منه نغمة حزينة كما تقول الأغنية: “دخلك يا نونو…خبّيني” لكن طائري القادم من بلاد الثلج، باحثا في وطني عن مكان دافئٍ يحميه، أسمعني نغمة جديدة لها بساط طائر فوق الغيوم، تغازل النجوم ، إذا سئمت من نشوة الترحال، تحملك لعالم سحريّ الكلمات ، حروفه معطّرة بالعشق و الهوى .. قدّمتُ لزائري الماء و الغذاء، حتى لا يحرمني من نغمة الحياة، لكنّ زائري حلّق في المساء، فوق مدينة الدفء؛ موطنه الجديد.
عاد في الصباح ، غنّى كعادته، لامستُ في صوت زائري شيئا حزينا، شيئا مبلّلا بدمع مخبأ في انعطاف نغمة شريدة، البساط الطائر ما عاد ليحملني لعَالَمٍ نقيّ، لعالم سحريّ الكلمات.
وفي الغد عاد ريشَهُ منفوش، باهت الألوان ، و صوته مبحوح ، صَفَّرْتُ له أقلّد العصفور في غنائه، لعلّني أنسيه بعض ما رأى، لكنني لاحظتُ لمعة في عينه تسرّبت إليّ، تقول : لا تحاول. حرّك جناحه، ودّعني، طار لبلاد الثلج، فدفء أرضي نافش للريش، مبهّت للّون، كاتم للصوت.

السابق
خرورٌ
التالي
حقـيقـة

اترك تعليقاً

*