القصة القصيرة جدا

فقاقيع الهواء

يبث التلفاز شريطا هادئا عن حياة الحشرات .. يمرر النادل قطعة قماش على الطاولة ليلغي بها و ينسخ عرائس الجلسة السابقة مدشنا عالما آخر من الخيالات على يد هذا الزبون الجديد ،فلكل زبون عالمه الحميمي ،طلب أول ما وصل شيئا ثم استدرجته آلة المقهى فهدهدته فأحس براحة كبرى ، وشرعت أعصابه في الاسترخاء كأنه داخل فقاعة ماء ، و شيئا فشيئا راحت تصله ضوضاء المكان ثقيلة متقطعة ، بعدما ارتسمت هالة تعكس حالته النفسية ما لبثت أن لفّت محيط الطاولة كله .. و الشريط الهادئ عن حياة الحشرات مستمر و تزداد معه الفقاعة انتفاخا..

انتفخت الفقاعة إلى أن أحس أنه امتلك المكان كله بمبلغ زهيد، يتفرج على المارين دون إذن و بألف مبرر قد يكون أبسطها أنه قد اقتطع تذكرة التسلية في حديقة الإنسان، أما الكائنات المارة أمامه فإذا نظروا إليه فإنما خلسة و صفاقة ..مازال الشريط الهادئ عن حياة الحشرات و ما زالت الفقاعة تزداد انتفاخا ..

شعور ممتع و هو يتابع انهماك هذه الكائنات في قضاء مصالحها ، كأنه يمر عليها على متن قطار.. الكل معني بنفسه .. كأنه يوم الحشر ..إنه يوم السوق، تحركها غريزتان لا أكثر..و يستمر التلفاز في بث الشريط الهادئ عن حياة الحشرات ،و تزداد الفقاعة انتفاخا ..

يحتسي الزبون القهوة و يمعن في التلذذ بها كأنه يكتشفها لأول مرة ، تتسلق ارتعاشة خفيفة من أخمص قدميه ثم تتيه في بطنه ،يكبتها ويمنع صعودها إلى الصدر و الرأس الحزامُ المحكم الذي يمسك سرواله الفاخر ..و التلفاز مازال يبث الشريط دون أن يزعج أحدا ،و تزداد الفقاعة انتفاخا .

هاهي الفقاعة تنتفخ أكثر كلما التفت إلى هؤلاء الواقفين الذين لم يحظوا بكرسي مثله ، ينظرون إليه و إلى أمثاله القاعدين نظرة حسد و ترقب ، كما المتسولين يستجدونهم بنظراتهم كي يختزلوا خلواتهم ،يتلهفون إلى تنفس هواء الفقاقيع المائية و التلذذ بمباهج الفرجة على الكائنات التي تروح و تغدو خارج المقهى.. و يستمر الشريط الهادئ ..

وفجأة ..خبر عاجل .. قصف حي في غزة يسفر عن خمسة عشر شهيدا و عشرات من الجرحى..تخرج من التلفاز شظايا الانفجار و تصيب كل الموجودين في المقهى.. يسلم فقط أولئك القاعدون على الكراسي حمتهم فقاقيعهم الهوائية ..نعم حمتهم من الصدمة كما الوسادة الهوائية في السيارة..

لملم الواقفون جروحهم وانصرفوا و شفاههم تلعن الصهاينة المجرمين أما قلوبهم فهي تلعن هؤلاء القاعدين لأنهم سلموا و يسلمون دائما من أي حادث ..ترى أما آن لهم أن يستغنوا عن هذه الواقيات ضد الإحساس بالعار ؟!

رغم كل ما جرى يستمر الزبون القاعد وأمثاله في التمتع بمتابعة الكائنات خارج المقهى ،كما تدخل أمواج أخرى لاحتساء القهوة واقفة .. و هكذا يكمل التلفاز بث الشريط الهادئ عن حياة الحشرات.

قاص و شاعر و كاتب

السابق
امتداد
التالي
انكفاء

اترك تعليقاً

*