مقالات

فكرة النص سحابة شاردة في ذهن المبدع

إن فكرة النص السردي تومض في ذهن المبدع ،ثم تخبو ، فيحاول لملمتها في ذهنه لكن سرعان ما تهرب منه ،فيعاود المحاولة ، من ثم تبدأ كالسحابة الشاردة في أعماق تلافيف دماغه ، وتبدأ في رحلة البحت عما يعضدها ويقويها من سحاب آخر شارد وتبدأ في التشكيل والتكون إلى أن تصبح غيمة كبيرة و يصبح تشكلها اكبر وضوحا في ذهن المبدع ،ومرحلة التشكل هي ما نسميه مرحلة المخاض ،أي أن ذاكرة المبدع لا بد وأن تمر من هذه المرحلة وهي مرحلة ذات أهمية قصوى في عملية الإبداع ،ألا أن هذه المرحلة تختلف من حيث الصعوبة والسهولة ومن حيث طول أو قصر المدة التي تستغرقها خصوصا وأننا نعرف أن الإبداع الأصيل هو البحث عن خلق الأحسن والأجود والجديد من أجل إمتاع النفس والمتلقي ! وهذا البحت هو الذي يتحكم في نوعية المخاض ومدتها ،وفي بعض الأحيان يخبو وميض المخاض فتصبح الفكرة أشبه بالجنين الراقد في بطن أمه والذي قد يطول رقوده إلى أجل غير معروف ،فكرة النص الإبداعي أشبه بالخلية تتكون من نواة قد تكون بسيطة أو عميقة تم سرعان ما تبدأ في الانقسام على نفسها والتكوين والتكون ،في حدود سياقات يفرضها المنطق العقلي وأن كانت الأفكار الإبداعية شعرا أو نثرا تنحو منحى الانزياح وبلاغة الغموض ،وبمجرد ما تختمر الحمم في البركان يقع الانفجار العظيم ،وتسيل حممه لتغذي عطش المتلقي ولهفته للجديد ، لكن النص قبل خروجه إلى حيز الوجود ويصبح في عهدة الناقد والقاريء لابد من أن يمر من جهاز المراقبة أو الغربلة أو عملية الشطب ،والتنقيح ،الذي يمس جانبين أساسيين هما التركيب اللغوي الذي يراعي فيه المبدع القاص بصفة خاصة انتقاء التراكيب الأكثر جمالية وقبولا في نفس المتلقي الذي يكون طبعت نسخته في ذهن المبدع مسبقا ،تشمل هذه العملية إسناد الكلمات بعضها لبعض وخلق التآلف بينها رغم اختلافها (أجود الكلام شدة اختلاف في شدة ائتلاف ) تم كتم أنفاس الترهل والإطناب المجاني الذي لايخدم النص ،بطبعة الحال مع مراعاة اختيار الروابط بين الأفكار لما لها من أهمية قصوى في بناء أسلوب النص السردي وتعتبر عملية التشذيب من المراحل الحاسمة في مصير النص القصصي بصفة عامة لأنها هي التي تحدد وجودها ففي بعض الأحيان لا يشعر المبدع بأن ما أبدعه ليس ذا أهمية فيشطب عشرات الجمل يستوجب تعويضها بأخرى أجود منها ،وقد يصل المبدع في الشطب إلى إعادة صياغة النص من جديد. ، ولعمري إن عملية التشذيب والشطب لن تنتهي أبدا ،وكاننا عندما ننشر النص فإن ذلك يكون على مضض ، فلازال فيه الكثير مما ينقح ،فهناك من الرواد من كان يشطب الرواية بأكملها ، رغم كل هذه المجهودات لأن عملية التشذيب أخطر بكثير من عملية كتابة النص، تبقى أيضا عملية التشذيب النقدي ذات أهمية قصوى لأن المبدع لا يمكنه أن يرى كل شيء في نصه، فتتكفل عملية النقد في بعض الأحيان بإيجاد البديل ،لهذا يشترط في الناقد القدرة الابداعية الفنية والسعة المعرفية ، حتى لا يكون مشرطه سببا في تشويه النص عوض إصلاحه وترميمه ،وأقدم محتو يات هذه المقالة التوضيحية إلى كل أعضاء المجموعات الأدبية ،والإبداعية اي(الجروبات)ألم يسبق لهم أن طرحوا على أنفسهم سؤالا حول هزال الإبداعات في مجال المسابقات ،الأدبية في مجال القصة أو الشعر أو النثر بمختلف ألوانه ،لا أقول إنهم يتحملون كامل المسؤولية على تدني مستوى الإبداعات الأدبية ، التي تنشر على صفحاتها قصد المشاركة في مسابقة أدبية معينة ،المسابقات فكرة رائعة لأنها تشجع على التنافس الإبداعي ، فتكون المسابقة حافزا لإنتاج الأجود وإبداع الأحسن ، وهكذا بشكل أو بآخر يسمو بالفن الإبداعي وإذا سما الإبداع ارتقت اللغة التي هي بيت القصيد من هذه العملية ككل ، لكن العيب في هذه المسابقات ، هو أن هناك خطأ فادحا يرتكب عن قصد أو عن غيره ، ويساهم بشكل كبير في تدني مستوى الإبداع ، وهو مجموعة نقط أظنها مهمة و أن ينتبه لها ( إدمن )المنتديات الأدبية والمسؤولون عن هذه المسابقات:
~1اقتراح موضوع معين يتم فيه التباري في الإبداع ، وهذا اعتقد أنه معيب أمام الإبداع الحقيقي ، لأن الفكرة هي التي تفرض نفسها على المبدع ، ولا يفرض نفسه عليها ، إضافة إلى أنها إذا لم تمر من عملية مخاض الذاكرة ، فلا يمكن باي حال من الأحوال أن ترقى إلى مستوى الإبداع ، تتحول الفكرة الإبداعية بهذا المفهوم إلى خبر صحفي يجب أن ينقل إلى المتلقي ، فتنخلع عن النص ميزة الإبداع لأنه له شروط بالغة الأهمية ، فخلق الجديد لا يفرض على المبدع ، اتركه يا أخي يصول ويجول فتلافيف دماغه ملأى بالتجارب الحياتية ، فلماذا تضع الأغلال في قدميه ، اتركه يحلق ،بعيدا في عام الانزياح ،تعرفون أن فرض تيمة معينة على المبدع ، فانك تضعه إلى جانب تلميذ في الصف الأول وتعطيه موضوعا إنشائيا لإنجازه ، اتركه يختار تيمته فالفكرة في مجال الإبداع كالوازرة (لا تزر وازرة وزر اخرى )، عندما تحدد موضوع المسابقة لا تعتقد أنك تنحى منحى الجودة وإنما تعقل الأدمغة وتشل حركة الإبداع في الكاتب ، وهذا نلاحظه من خلال مشاركاتنا في التحكيم ، فتجد أن الذي كتب النص له باع في السرد لكنه في المسابقة يقع له انحباس تام فيكون مضطرا لصناعة الكتابة ولا تأتيه إلهاما أو تداعيا وفرق بنهما وبعد كبير بعد السماء عن الأرض ، فيكتب الرديء ، أو في أحسن الاحوال ، ينسحب من المسابقة ،عندما تبخل عليه الذاكرة بما طلبوه منه !
~2 إن أغلبية المنتديات تفرض في المسابقات ، عددا معينا من الكلمات في النص الإبداعي موضوع المسابقة ، فعندما يخضع النص الإبداعي إلى الكم كذا أو كذا من الكلمات دون مراعاة الكيف ، هنا تكون الآفة العظمى والقيد الحديدي يرمى على معصم المبدع ، ويخضع النص للمكننة ، كأي شيء ،،آخر كالمقالة الصحفية ! من أين لهذا الإبداع في تحديد المعاييير يا ناس فالقصة القصيرة جدا أو القصيرة تفرض حجمها بشكل طبعي وعاد ، ولا يقاس تحجيمها بعدد الكلمات ، وسأسوق لكم مثالا ، في إحدى المسابقات شاركت بنص ، وارجع إلي بدعوى أنه يتجاوز العدد المطلوب من الكلمات ، وطلب مني تعديله ، قطعت من رأسه وقدميه وأرسلته ، تم أعيد إلي مرة ثانية ، وقيل لي لازال أمامك التعديل ، فانسحبت ، وأرسلت تعليقا: (( إني أصبحت على وشك قطع رأس النص وأنا لا أريده أن يموت لذلك أعتذر عن انسحابي من المسابقة ))، إن هذه الشروط تخل بعملية الإبداع ، فماذا يهمنا من المسابقة أصلا الارتقاء بالكتابة أم نيل شهادة ، قد لا تقول الحقيقة في حق النص الفائز ، وهل من يفرض هذه الشروط ، له الصلاحيات الأدبية والإبداعية لاتخاذ مثل هذا القرار ، وأنا على يقين أن كل من يحترم إبداعه ، لن يخضع أبدا لمثل هذه الشروط التي أراها شخصيا لا أدبية وأن الذي يفرضها ليس له الحق الأدبي إطلاقا في فرضها .أتمنى أن نعيد النظر في طرق تعاملنا مع الإنتاجات الأدبية سواء كانت في مسابقات أو في غيرها ، حتى لا يحرم الجيد ، ويحل محله الغث الذي يخضع للشروط فيكتب إنشاء ، عوض قصة لها خصائصها ، وأطرح هذا الموضوع للنقاش .

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
رجل الكيس
التالي
رحلة قصيرة..

اترك تعليقاً

*