القصة القصيرة

فنجان من تراب…

صباح مطير وأحلام مفعمة بالوحل, ماء بشاي لم يجدا خليلهما من السكر, وبقايا من جبن الأمس, وأخبار الحرب التي لم تتوقف بعد ويبدو أنها لن…
وذكرى حبيبي الوهم, , ,
صحيفة أمامي صينية أم يابانية لا أدري عنها, فما أعرف منها وما يبدو عليها أنها لفافه للخبزالساجد أمامي بتلك الأحرف الشرق آسيوية, بها صور فتيات عارضات, جميلات… جميلات جداً, وأنا فتاة عربية شاحبة الجمال لدرجة يبدو الإرهاق بارزاً عنيوكأنه نتوء صندوق قديم, شكله أسماًووسماً موسوم بـ”بقايا أنثى”…
فكرت ملياً في كل ذلك وقطعة من الخبز الجمها الصمت في يمني فقلت لها:
ـ لا يُمكن أن يسوء الوضع أكثر من ذلك…!
ـ نعم, وما الحل يا عزيزتي.؟
وددت أن أقبلها, فأنا لم أسمع كلمة لطيفة من حين ودعني ذلك الأسمر في بلاد المجهر, وقد فعلت وقبلتها بفمي ومعدتي بعد إذ.
فقررت بذات الصمت بفكرة غبية قبيل أن أنجز عليها لُطفاً, فلا شيء اغبى من البقاء في جوف زجاجة ملساء مرمية أرضاً تدعوني إلى الخروج فلا أفعل, ولكني تدحرجت كفأر حبيس شركهالفاخربحلقات دائرية ظللت بها أدور لتلك الفترة ولفترة تالية بعد, كأمد الحرب الدائرية فخاً, حرب وطني وحربي الخاصة “حرب الحُب”التي لم تنتهي ويبدو أنها لن…
فعجباً للحرب والف عجباً للحُب, كلاهما مبددان لإنسانية الإنسان مبعثران له وهو في ذات الكيان,,, ولكنني فكرتقائلة وأنا بفلسفة الجوعفكراً:
. منذ متى تُحبس الفئران في زجاجات, إن لم يكن فكر بشر هو السجين والسجان كما هو القاضي والجلاد فهو الميت في قالبه الحي…!
فلا أحد يُحبس بفعل كره كما نفعل نحن, فعجباً لنا نحن البشر, نُثير الفوضى في كل حالاتنا الفكرية…! نُشقي أنفسنا لكي نسعد, ونسعد أنفسنا فنشقى…! لتستمر المحاولات المثيرة ضجة وشغب. . .
بفكري المختلط أيقنت أن كل شيء في ذلك الفراغ فارغ, فكري ومطبخي ايضاً, فلا عقلي يُريد أن يُنتج ولا ألة الطهو بها عزم لغايتهاالفُضلى, فلا دقيق ولا زيت ولا حتى ماء…..إذن لا خبز.
والسوق فارغ من الرجال والنساء من البضائع ومن المتحرشين من هؤلاء وهؤلاء….إذن لا مال.
ويومي الثالث شيطان يقتله الفضول لكل ما يدور, فارغمني ومنه ومن الحُب الذي أجلسني في هذا الوضع المشدود فكراً وقالباً… إذن لما لا أجازف!
فعلى أية حال سنموت, أبالجوع للطعام, أم بالجوع للحُب, وكلا الأمرين على أية حال قاتلين…
. إذن سأجازف.
ولكنني لطالما صددته عن دروبي العاليات! فلقد اعتنقت معتقداً أنه لا يليق بجامعية على عتبة الارتقاء…. ولكن الوضع تغير؛ فالأسوق خالية تصفر بها ريح الفقر وشمسها البنفسجية المثيرة لسرطان الإنهاك, وهو يملك بندقية وبالتالي يملك الخبز فالمال إذن في محفظته الجلدية وافر في زمن الحرب إفلاساً…
وكل ذلك يجب أن يحدث لأن من أحب غائب خلف موج من سراب في بلد الغربة واللاشعورويبدو أنه سيظل على حالته تلك.
فقررت يائسة بأنه الأفضل عند الحاجة, وهذا وقت حاجتي, فلا شيء أسوأ من البقاء ووحدته الموحشة الداعية لشبع المتعة في جوف زجاجة ملساء فارغة هي كأنا من الحياة,,,, تدعوني للخروج فلا….
وكل الحلول متاحة فهاتفي بجانبي نصفه على ظهر الأرض ونصف وجهه على خد إحدى تلك المبتسمات على مجلات الجمال بالعرض, ولما لا يبتسمن فرجالهن أوفياء لهن وللوطن وللحُب ايضاً, ونحن لا رجال لنا ولا وطن, والحب أصبح بخساً في سوق خلي من المشتقات النفطية التي قد تعمل على إنتاج حفنة منه, ولكن الحُب لن يتوجد مع الفقر في آن, وعليه فليبيع من يبيع ليشتري من يملك المال..
فبيعت الأجساد وتلاشت الأروح تنشد مجداً أتراه يعود…!
نظر هاتفي بنصفه الذي يفترش الأرضوسألني عن قطعة الخبز الخرساء:
. هل ستأكلين هذه؟
.بالطبع سأفعل.
فأنكمش صامتاً وأناب, فأخذته على جوعه, بالرغم من اقتراب موته للكهرباء,لا يزال يرقب الخبز,يبقى رغم جوعه الشيء الوحيد المتبقي في جوفه شيء من رصيد ما لسد رمقي وبعضمن حاجتي, تلك الحاجة التي اعتنقت عكسها قبل ثلاثة أشهر من الأن أنها لا تليق بي وعلى أثرها رفضته زوجاً و حبيب, ولكنني الأن ضعيفة وقواي تحت الحضيض, فلا حبيب بجانبي ولا وطن أرتمي إليه, فوطني مائل نحو الأرض ويديه ملطخة بالدماء, وحبيب خانته شجاعته فغاب, وذلك الثري ببندقيته العليا الشيئانالقوييان المتبقيان في هذا الضعف المبدد لروح سقيمة للخبز…
هاتفته, ذلك الذي اعتقدت حين قوة وغنا أنه لا يليق. ولعلي حينهاكنت أكرهه, ولكنني لا أحب الوحدة رغم الكره, ولا أحب البقاء بدون حُب, وأخاف الضعفونتاج وحشته, ولا أحب مطلقاً الخبز والجبن.. كل يوم.
فبررت لذاتي فعلتها وأخذت قطعة الدقيق بالماء ذلك الكل المسمى بالخبز, والتهمتها على عجل ونحو فنجاني المر توجهت شفتاي, فارتشفت رشفة من التراب الخاضع في أمعائه الصلبة, ونفضت عني فكرتي ونهضت أفكر مجدداً في ماهية ما فكرت…
وفعلت ما كنت أرفضه وأهرب منه إليه. . . أبيع الذات والقلب جسداً في أسواق وطني الخالية من الحُب ورجاله الأوفياء.
فإن راق لكم ما فعلت فنعم الغباء غبائي, وإن كان الأمر لا, فلا يزال الشاي المر وافراً, فمرحاً لك يا فنجاني الترابي المشبع مُراً وجفاء.

كاتبة وقاصة، ماجستير في الإرشاد النفسي.

السابق
فردوس
التالي
في ذلك اليوم…

اترك تعليقاً

*