القصة القصيرة جدا

فى صمت

الساعة الحادية عشر الا خمس دقائق .. لقد حان المواعد ؛….. انتظر و زوجتى هذا الموعد منذ شهور ؛ يا الله اخير حانت الساعة الموعودة ………….!
اربعه عشر عاما …تموت بين ايدينا الامانى … تمر الايام شهرا و را شهر… تتراكم الشهور؛ تصير اعوام كالدهور.
اربعة عشر عاما ؛و اخير حانت لحظه الخلاص ؛ لحظه فراق الالم ملاقات الامل…
دقات الساعه الاوميجا ذات العقارب البلاتينية و الاحجار الماسية .. ..ثانية تلو اخرى …ثواني تتمدد.. تصير عقودا و دهور … اه ايها الامل كيف تصير نورا وضياء وطريق مشرق يتجدد
تسالني زوجتي هل حان الوقت ؟
انظر في الموبيل اى فون و ابتسم
ـ باقي 5 دقائق على الوعد
ـ تتوتر و تشد على يدى بعصبية 5 دقائق على الموعد كانها عقود و دهور انظر الى عيناها الزرقاوتان و اقول بشوق لما تشتق له
ـ اتنظرنا كثيرا … انتظرنا اربعة عشر عاما ونحن في رحله القدر… مررنا بكل ما يمكن ان يتصوره البشر .. اطباء متخصصين .. و رجال دين .. و مشعوزين .. عمرا نجرى خلف حلمنا .ندعوا نبتهل الى الله .. نسخط .. نقنط .. و نعود ندعوا .. و نعود و نسخط … . فعلنا كل ما يمكن تتخيل ان يفعله البشر ..تذكرين ذاك اليوم حيث جلسنا على حافة حمام السباحة بقصرنا بالتجمع نستمع للقران بصوت عبد الباسط الرخيم
يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ

؛ يومها صمتنا نتأمل ذلك الكم من الاوراق و الفحوصات و التقرير ؛ نستعرض ذلك التاريخ الممتد من البحث عن ذلك الرزق الصعب ؛ ان يكون لنا ذرية .. الولد .. كان كومة كبيرة من الاوراق من مصر و الخارج .. تذكرين ..
ـ نعم اذكر يومها ان نظرت فى عينى و قالت :
لم نقصر فى شى ؛ لم نعلم ان هناك طريقا ما او وسيلة ما نفعلها .. لكن هكذا قدر الله ..و له فيما قدر حكمة .. لنتوقف من اليوم عن السعى و نترك امرنا لله
لكن كانما القدر كان رحيما بنا ؛ الحمد لله ؛ و هكذا ساق لنا الاقدار من يسعدونا يا زوجتى ..دون ترتيب يتم حلها من الله سبحانه ..
تنفث سهير دخان سيجارتها و هى تقول بعصبية لزوجها
ـ يا رافت اتصل شوف هم وصلوا فين من فضلك !

يرن التلفون بالسيارة القديمة رمادي اللون تسير و قد غطاها الغبار ؛ يمسك رجل بدين اصلع الهاتف قديم و يرد
ـ اهلا معالى الباشا … ايو خلاص على الدائرى .. كل تمام سبع دقائق و نكون عند معاليك كله تمام معاليك …تؤمرنى يا باشا .. سلام معاليك فى امان الله
ترتفع صوت نحيب مكتوم من امراءة شابة تحمل لففة بها طفل صغير تجلس فى المقعد الخلفى للسيارة ؛ تنظرفى صمت للطفل الرضيع هى تدمع ؛ بينما الاضواء المنبعثةمن الشمس تمر على وجهها سريعا فتلمع دموعها فى الظلام
يتجاهلها الرجل الاصلع كانها لا شىء ,و يشير بتلفون الى رجل الجالس بجوره فى العربة رجل كبير فى السن فى العقد السادس اسمر؛ رث الثياب ؛ تركمت السود تحت عينة ؛
ـ ده رافت بيه بيطمن
ترتفع صوت النحيب السيدة
يتململ الاصلع و هو يقول للرجل فى العقد السادس ؛
ـ ما تقولها تهدى فى ايه ؛ هو احنا هندبح الواد .. ده هيبقى ابن بهوات و يتربى احلى تربية ؛ مش احسن ما يكبر و يتقاله يابن نوال السرحة ؛ مش احنا رسنها و فهمنها يا عم عويس قولها
بصوت اجش عميق كانما ينطلق ؛ من اعماق مئات الكنشات الحشيش و جلسات الكيف
ـ مش تهدى يا نوال و تعقلى هنعمل ايه بالواد ..
تنظر نوال لعم عويس و هى تقول
ـ الضنى يا بويا غالى .. اصل انتم مبتخفوش من ربنا و مش عارفين غلوة الضنى ما انت يا يابا بعتنى و انا صبية ..فكر ..
ينظر عويس بعينة الحمرا ء المنتفخة ؛ ثم يطلق صيحة سبا للدين .. و ينظر للرجل الاصلع و هو يقول
ـ دوس ديك ام بنزين خلينا نخلص من ديك ام المشور ده و نخد القرشين و ننهى

على الرغم من تكيف السيارة المرسيدس كان رائع الا ان سهير اصابها بعض الاختناق ؛ من الانتظار و التراقب ؛ فتحت الباب فخرجت من سيارة المرسيدس ؛ ليلفحنا موجه من الهواء الحار …وبعض الهواء الساخن المنبعث من جوانب الطريق الصحراوى الممتد من الدائرى حيث تنتظر السيارة بجور التجمع الخامس ..؛ اشعلت سيجار و مسكتها من طرفها و استندت على السيارة بقوامها الممشوق كعارضات الازياء ؛ تنفث فى عصبية دخان سيجاتها فى الهواء ؛ يالكى من امرأة يا سهيرفاتنة شهباء خليطا من الدماء التركية المصرية الشركسية ؛ ممشوقة غضة ادمنتها خمسة عشر عاما ؛ كل عام يمر يزيدها روعة ؛ كخمر المعتقة ادمنها ؛ ثم هى لا تريد ان تتخلى عنى ؛ فقد اعطانى الله المال و لكن لا احد كامل كأنما الحياة هى لعبة النقصان ؛ فمن رزق المال حرم البنون ؛ و من رزق المال و البنون حرم راحة البال ؛ فلا احد مرتاح

صوت عربة قادمة من بعيد ؛ سيارة غير محددة تقترب فى اخر الطريق المدق المتفرع من الدائرى
تقفز سهير بين الفرح و التوتر و سعادة ؛ يترقص شعرها الذهبى و تشير للعربة القادمة و هى تقول:
ـ اهم جين يا رافت .. هم دول يا رافت
ـ ايو يا حبيبتى اصبرى بس اتصل ..الو ايو يا سعيد انتم ال جين دول .. تمام .. طيب تمام
اقتربت العربية توقفت … خرج الاصلع بجور السيارة و خرج الفتاة و هى تحمل الطفل بجورها الرجل المسن الذى اخذ حقيبة سمراء من رافت بيه
ارتبك الجميع فى صمت للحظات … تقدمت الفتاة و هى تحمل الطفل فى صمت ؛ اقتربت تتفحص سهير ؛ تنظر الى رافت ؛ تعلم ان ابنها سوف يعيش عيشة افضل بكثير من تلك العيشة التى سوف يحيها معها ؛ تخيلت الاطفال يجرون خلف ابنها و ابن نوال السرحة .. ابن نوال السرحة ..
تقدمت و هى تتخيل ابنها فى مدرسى من مدارس البهوات محاط برعاية و الخدم و البهاء ؛ تتخيله فى فرحة سعيد بعروس جميلة بين عائلة كبيرة ؛ قوة ما جعلتها صلبة ؛ ارادة ولدت بين صدرها عصرت بها قلبها ؛ تقدمت تجاة سهير التى تحولت من السعادة و التراقب الى الذهول الذى لف الموقف ؛ توقفت امام سهير و قد مدت لها طفلها فى صمت و دون كلام حملته سهير برفق كانما تحمل عمرها و املها و سعادتها ؛ مضت نوال راجعه الى السيارة … توقفت … عادة مرة اخرى الى سهير امسكت بطفل شمته … قبلته … ثم اعادته الى سهير و مضت فى صمت الى سيارة ؛ فتح عويس حقيبة كانت ممتلىء بنقود خضراء دولارات لم يرها من قبل عويس ؛و جلست بجور ابها عويس صامته بينما سعيد لوح لرافت بيه و مضى عائد الى ذلك العالم المظلم القادم منه.

مضى سيارة المرسيدس الى قصر رافت بتجمع الخامس …فى الطريق توقفت لزحام نتيجة حادث بطريق ؛ يقال ان سيدة القت بنفسها من عربة رمادية كانت تسير مسرعة ؛ او ان احد القى بها من تلك السيارة التى لم تتوقف ربما قتلوها او انتحرت ؛ مرت السيارة المرسيدس بجور الجسد المسجى على الارض و المغطى بالجرائد ؛
بينما تنزف منه الدماء ؛ مرت عجلات السيارة الفارهة على الدماء الجسد المسجى ؛ و قد ظهر منه طرف ثوب نوال فظهر الالم و دمعت عين رافت
سألت سهير رافت ة هى تحتضن الطفل .. القدر تصور ماتت بعد ان منحتنا السعادة
ـ منحتنا السعادة ام سرقنا عمرها
مضت السيارة بعيدا ..لكن رافت الحنون لم يعد رافت الحنون ؛؛ و سهير القنوعة لم تعد قنوعه ..كان معهم الطفل لكن كانما خيم عليهم الجحيم ؛ ربطهما الطفل و دم امه ؛ فظلا بقية عمرهم يعانوا معا؛ كانما يعاقبوا بعضهما بعض فقد احبوا الفتى و كرهوا انفسهم ؛ احبوا تضحية امه ؛كرهوا انانيتهم ؛ يمكنك ان تحارب القدر لكن لا يمكن ان تنتصر عليه.

السابق
اكتشاف
التالي
صراع

اترك تعليقاً

*